
نادى العامل:
– يا باشمهندسة… فيه صندوق مدفون تحت الأرض!
اقتربت ندى وهي تظن أنه مجرد مخلفات قديمة.
لكن عندما أزالوا التراب، ظهر صندوق أسود عليه قفل صدئ، محفور عليه حرفان فقط:
“م.ع”
تجمّد آدم.
– دي نفس الأحرف الأولى لاسم جدي… محمود عزام.
استدعوا الشرطة، وحضر ممثل من النيابة، وتم فتح الصندوق رسميًا.
في داخله وجدوا دفترًا جلديًا، وعدة أشرطة فيديو قديمة، ومظروفًا مغلقًا كتب عليه:
“لا يُفتح إلا بعد موتي.”
نظر الجميع إلى بعضهم.
مات كريم…
وماتت الحاجة فاطمة داخل السجن بعد سنوات من الحكم عليها.
لم يبقَ سوى ندى.
فتح وكيل النيابة المظروف.
وكانت الرسالة بخط محمود عزام نفسه.
بدأ يقرأ:
> “إذا وصلت هذه الرسالة إلى أولادي أو أحفادي، فاعلموا أنني أخفيت سرًا كبيرًا حتى أحمي العائلة… لكن ربما أخطأت.”
ساد الصمت.
أكمل القراءة:
> “شركة عزام لم أؤسسها وحدي. كان لي شريك اسمه حسن الديب، وأنقذني من الإفلاس، لكنني سجّلت كل شيء باسمي خوفًا من الدائنين، ووعدته أن أعيد له حقه عندما تستقر الأمور… ثم مات قبل أن أوفي بوعدي.”
شهقت ندى.
أما ياسين فسأل:
– يعني… فيه ناس ليها حق عندنا؟
رد وكيل النيابة:
– لو المستندات صحيحة… نعم.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الصفحة الأخيرة.
كانت هناك صورة لطفل صغير بجوار محمود عزام.
وتحتها عبارة قصيرة:
“ابني الذي لم يعرفه أحد.”
نظر آدم إلى الصورة مرة أخرى.
– يعني…
لجدي ابن تاني؟
قبل أن يجيب أحد، رن هاتف ياسين.
كان المتصل رقمًا مجهولًا.
فتح المكالمة.
جاءه صوت هادئ:
– أنا عارف إنكم لقيتوا الصندوق.
تجمّد الجميع.
– مين معايا؟
رد الرجل:
– أنا… ابن الطفل اللي في الصورة.
ثم أغلق الخط.
بعد يومين، وصل رجل في أواخر الأربعينيات إلى الشركة.
كان يحمل نفس ملامح محمود عزام بشكل مدهش.
وضع ملفًا على المكتب وقال:
– اسمي سامح حسن الديب.
سألت ندى:
– إيه اللي يثبت كلامك؟
ابتسم بهدوء.
وأخرج تحليلًا وراثيًا، ورسائل قديمة، وعقد شراكة موقعًا من محمود عزام.
ثم قال:
– أنا مش جاي أخد شركتكم.
أنا جاي أنفذ وصية أبويا.
نظروا إليه في دهشة.
أخرج رسالة صفراء قديمة، وقرأ منها:
> “لو أولاد محمود لقوك يومًا… سامحهم. الطمع هو اللي فرّق بين العيلتين، لكن الكراهية ما ترجعش حق.”
امتلأت عينا ندى بالدموع.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أن الماضي لا يرسل لهم كارثة جديدة…
بل يرسل فرصة لإصلاح ظلمٍ عمره أكثر من ثلاثين عامًاالجزء الثالث من القصة الجديدة
وقف رجل يرتدي نظارة سوداء داخل سيارة متوقفة على الجانب المقابل للشركة.
كان يراقب سامح وهو يخرج من المبنى.
أخرج هاتفه، وقال بصوت منخفض:
– الصندوق اتفتح… والرسائل وصلت لهم.
جاءه الرد سريعًا:
– يبقى لازم سامح يختفي… قبل ما يطلع الدفتر الأخير.
أغلق الهاتف وتحرك بسيارته ببطء.
…
في الداخل، كانت ندى تتصفح المستندات مع ياسين، الذي أصبح محاميًا.
قال ياسين وهو يقلب الأوراق:
– يا ماما… في حاجة ناقصة.
رفعت رأسها.
– إيه؟
– كل العقود موجودة… إلا دفتر الحسابات الأصلي.
سأل آدم:
– وليه الدفتر ده مهم؟
أجاب ياسين:
– لأنه لو موجود، هيحدد بالضبط مين ظلم مين، ومين لسه ليه حقوق.
تنهد سامح وقال:
– للأسف… الدفتر اختفى من يوم وفاة محمود عزام.
ثم سكت لحظة قبل أن يضيف:
– أو… كنت فاكر إنه اختفى.
نظر الجميع إليه.
فتح حقيبته، وأخرج مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
– أبويا قبل ما يموت اداني المفتاح ده، وقال لي: “هتعرف مكانه لما تقابل أولاد محمود.”
سألت ندى:
– مفتاح إيه؟
ابتسم سامح.
– خزنة في المخزن القديم للمصنع الأول.
…
في صباح اليوم التالي، توجه الجميع إلى المصنع المهجور الذي بدأ منه مشروع عائلة عزام قبل أكثر من أربعين عامًا.
كان المكان مليئًا بالغبار والعناكب.
قادهم سامح إلى مكتب خشبي قديم.
أزاح خزانة حديدية صدئة، فظهر باب صغير داخل الحائط.
أدخل المفتاح.
صدر صوت “طَق”.
وانفتح الباب ببطء.
في الداخل كانت خزنة قديمة، وبجوارها صندوق خشبي.
فتحوا الصندوق.
وجدوا دفتر الحسابات الأصلي، وعشرات العقود، وصورة تجمع محمود عزام مع حسن الديب وهما يبتسمان.
لكن أسفل الدفتر مباشرة…
وجد آدم ظرفًا آخر.
فتح الظرف بحذر.
تغيّر لون وجهه.
– مستحيل…
اقتربت ندى.
– فيه إيه؟
ناولها الورقة.
كانت شهادة ميلاد لطفلة.
اسمها:
ليلى محمود عزام.
تاريخ الميلاد قبل زواج محمود من الحاجة فاطمة بعامين.
همس ياسين:
– يعني… لجدي بنت كمان؟
رد سامح بصدمة:
– أبويا عمره ما جاب سيرة بنت.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت باب المصنع يُغلق بقوة.
التفت الجميع.
كان الرجل ذو النظارة السوداء يقف عالجزء الرابع من القصة الجديدة
تراجعت ندى خطوة إلى الخلف.
كانت تعرف هذا الصوت…
ليس لأنه مألوف، بل لأن فيه نفس النبرة التي سمعتها قبل سنوات من أشخاص ظنوا أن المال يعطيهم الحق في التحكم بمصائر الآخرين.
رفع ياسين هاتفه بهدوء، وبدأ يسجل.
اقترب الرجل وهو يبتسم.
– لسه فاكرين إن الورق ده هيغير الدنيا؟ أنتم مش فاهمين حاجة.
قال آدم بغضب:
– أنت مين؟
خلع الرجل نظارته ببطء.
وتغير وجه سامح فورًا.
– أنت…
تراجع سامح وهو يحدق فيه.
– أنت فؤاد!
ابتسم الرجل.
– أخيرًا افتكرتني.
سأل ياسين:
– مين فؤاد؟
رد سامح بصوت منخفض:


