
رجع لمراته بعد الانفصال لما عرف أنها مصابة بالسرطان.. ومن عطفه عليها قالتله: «أنت حببتني في المرض» في وقت بقت فيه كلمة «الوفاء» بتتقال كتير، قليل أوي اللي بيحوّلها لفعل حقيقي، ومن بينهم الفنان ياسر فرج، وحكايته مع زوجته الراحلة «ميادة»، اللي بتفكرنا إن الإنسان ممكن يختلف مع حبيبه، والأيام تفرّقهم عن بعض، لكن وقت الشدة بتظهر معادن الناس بجد.
ياسر فرج حكى إنه كان منفصل عن زوجته، وكل واحد فيهم بدأ حياته في طريق مختلف. لكن أول ما عرف إنها مصابة بسرطان في النخاع، ما وقفش يتفرج من بعيد، وما قالش: «إحنا خلاص انفصلنا».
وفقاً للي حكاه، كان مسافر بره مصر، وأول ما وصله خبر مرضها كلم أهلها وقال لهم بكل وضوح: «أنا هرجع لميادة»..
مفكرش وقتها في أسباب الانفصال، ولا مين غلطان ومين عنده حق. المرض كان أكبر من أي خلاف، والوجع كان محتاج حبيب وسند حقيقي، وده اللي لقته «ميادة» في جوزها وأبو عيالها..
رجع ياسر» يعيش معاها رحلة العلاج بكل تفاصيلها. كان عنده أمل كبير إنها تخف، ودايمًا يقول لنفسه إن ربنا كبير، وإن فيه حالات قدرت تنتصر على المرض.
بعد العلاج، عملت عملية زرع وبدأت حالتها تتحسن، فحسوا إنهم أخيرًا قدروا يعدّوا أصعب مرحلة. لكن فترة العلاج ما كانتش سهلة. بسبب جائحة «كورونا» وضعف مناعتها بعد العملية، كان ممنوع تقريبًا حد يدخل أوضتها.
مع الوضع الصعب ده، «ياسر» حوّل المكان لدرجة عالية من التعقيم، وكان يهتم بأكلها وأدويتها، ويحاول يوفر الأدوية اللي أحيانًا ما كانتش متاحة بسهولة.
كان بيعمل كل ده من غير استعراض ومن غير ما يحكي للناس، لأنه ببساطة كان شايف إن ده واجبه.
في مرة اتأخر وهو بيدوّر على الدوا، وطلب من والدتها تجهز لها الأكل. لكنه لما رجع لقاها ماكلتش، لأنها كانت مستنية الأكل منه هو.
الموقف، رغم بساطته، بيكشف قد إيه وجوده كان فارق معاها، وقد إيه الرحلة دي رجّعت بينهم مشاعر إنسانية عميقة عدّت فوق كل اللي حصل بينهم قبل كده.
«ياسر» قال إنهم خلال فترة المرض نسوا خلافاتهم، وبقوا يقعدوا بالليل في البلكونة يتكلموا عن كل حاجة كانت مختلفة بينهم.
اتكلموا وفهموا بعض أكتر، وبدأ كل واحد يشوف التاني بصورة مختلفة. كانت لحظات صعبة، لكنها في نفس الوقت كانت من أصدق وأغلى اللحظات اللي عاشوها مع بعض.
في وسط الرحلة دي، قالت له جملة مؤثرة جدًا: «إنت حببتني في السرطان». يمكن الجملة غريبة في ظاهرها، لكن معناها إن وجوده جنبها خلّى أصعب أيامها أهون، وخلّاها تحس إنها مش لوحدها قدام المرض. هو ماخلّاش السرطان حاجة سهلة، لكنه خلّاها تواجهه وهي حاسة إن فيه حد بيحبها وواقف جنبها.
أولاده كمان كانوا عايشين الخوف والقلق. كانوا صغيرين، وأكبر بنت كانت عندها 14 سنة، وكلهم كانوا حاسين إن والدتهم ممكن تروح منهم، خصوصًا وهو بعيد. لكن رجوعه ووجوده وسطهم طمّنهم، وكان بيحاول يديهم أمل ويقول لهم إن حالات كتير خفّت وإن والدتهم هتتحسن. ولما بدأت ترجع تسوق عربيتها وتخرج، شافوا فيها صورة الأم اللي عرفوها، وبدأوا يصدقوا إن المحنة ممكن تعدّي.
للأسف، المرض رجع تاني بشكل مختلف. وبعد فحوصات جديدة ظهر إنه انتشر بدرجة كبيرة. دخلت المستشفى حوالي 5 شهور، وما رجعتش البيت خلال الفترة دي غير يومين.
كانت أيام قاسية، كل يوم فيها مشكلة جديدة، لكن «ياسر» فضل موجود جنبها لحد النهاية. وقبل ما تدخل في الغيبوبة بيومين أو 3، وصته على أولادهم، وقالت له يهتم بيهم ويطوّل باله عليهم، وكمان يخلي باله من والدتها.
هو حاول يطمنها وقال لها: «مفيش داعي للكلام ده، إحنا سوا». لكن يوم 27 يناير 2021، رحلت «ميادة»، وساب رحيلها فراغ كبير في البيت وفي حياة كل اللي حواليها.
بعد وفاتها، ما حاولش يخبّي حزنه عن أولاده. بالعكس، كان شايف إن من المهم يعرفوا قد إيه كان بيحب والدتهم، وإن الحزن مش عيب، وإن الإنسان ممكن يبقى قوي وهو في نفس الوقت موجوع.
اتكلم معاهم عن ضرورة إنهم يعدّوا المحنة، ومايخلوش وفاة والدتهم شماعة يعلّقوا عليها كل حاجة في حياتهم. كان عايزهم يكملوا تعليمهم وحياتهم، من غير ما ينسوا أمهم، ومن غير ما يفضلوا أسرى للوجع
حكاية ياسر فرج مش مجرد قصة فنان رجع لزوجته وقت مرضها، لكنها قصة إنسان اختار المسؤولية وقت ما كان ممكن يختار البُعد. اختار الرحمة بدل الحسابات، والاحتواء بدل العتاب، والوجود الحقيقي بدل الكلام.
الأجمل إنه ماكانش بيحكي اللي عمله عشان يتحط في صورة البطل. هو قال إنه ماكانش حابب الناس تعرف، لكنه لما القصة اتعرفت شاف إنها ممكن تبقى رسالة للأزواج: وقت المرض والضعف، الإنسان محتاج يحس إنه مش لوحده، وإن الخلافات مهما كانت كبيرة ماينفعش تلغي الرحمة، ولا تمسح العِشرة، ولا تلغي المسؤولية.



