
صوت الصفعة خلّى سلمى حمدي توقف مكانها في مول كبير في التجمع الخامس.
قدامها كانت ست كبيرة في السن، شعرها أبيض، واقفة جنب شنطتها اللي وقعت على الأرض، وحاطة إيدها على خدها وهي مش مستوعبة اللي حصل.
قدامها كانت لارا الشناوي، بنت رجل أعمال مشهور، فستان أبيض شكله أغلى من مرتب سلمى في شهور.
لارا كانت بتقول بعصبية:
«أنا شوفتك وإنتِ بتمدّي إيدك في شنطتي!»
الست هزت راسها بخوف.
«والله يا بنتي أنا بس لقيتها واقعة جنب رجلي وكنت هديهالك.»
لارا رفعت إيدها تاني.
لكن المرة دي ما لحقتش.
سلمى مسكت إيدها من رسغها.
«كفاية.»
لارا بصتلها بصدمة.
«إنتِ مين عشان تمسكي إيدي؟»
سلمى سابت إيدها بهدوء.
كانت عندها 30 سنة، طويلة ورياضية، وبتشتغل مدربة في جيم موجود في الدور التالت من المول.
لكن رغم جسمها القوي، عمرها ما استخدمت قوتها ضد حد.
بصت على الست الكبيرة وقالت:
«إنتِ كويسة يا حاجة؟»
الست هزت راسها.
«أنا كويسة يا بنتي.»
سلمى رجعت بصت للارا.
«إنتِ كنتي تاني ليه؟»
لارا اتعصبت.
«دي بتاخد حاجات من شنطتي!»
سلمى انحنت ولمّت حاجات الست من على الأرض.
نظارة.
علبة أدوية.
محفظة.
منديل.
وبعدين سألتها:
«اسمك إيه يا حاجة؟»
«أنا الحاجة سعاد منصور.»
«حاجة سعاد، أخدتي أي حاجة من شنطتها؟»
سعاد هزت راسها بسرعة.
«ولا لمستها غير لما لقيتها واقعة.»
سلمى قامت وبصت للارا.
«طيب ناقصك إيه من الشنطة؟»
لارا سكتت.
«إيه؟»
«مش ده الموضوع.»
سلمى ابتسمت بسخرية.
«لا، ده بالظبط الموضوع.»
في اللحظة دي، مدير المول مدحت صبري وصل.
وأول حاجة عملها كانت كاشفة كل حاجة.
ما بصش على سعاد.
ولا سألها إذا كانت كويسة.
راح على لارا فورًا.
«آنسة لارا، حضرتك كويسة؟»
لارا أشارت لسلمى.
«هي هاجمتني.»
سلمى ردت:
«أنا منعتك تضايقي الست للمرة التانية.»
مدحت بص لسلمى بحدة.
«آنسة سلمى، ياريت تيجي معانا للأمن.»
«بعد ما تتأكد إن الحاجة سعاد كويسة.»
«أنا المسؤول هنا.»
سلمى ردت بهدوء:
«يبقى اتصرف كمسؤول.»
وش مدحت اتغير.
لكن قبل ما يرد، سعاد فجأة ترنحت.
سلمى لحقتها قبل ما تقع.
«حاجة سعاد!»
سلمى نادت بسرعة:
«حد يجيب كرسي وممرضة!»
لارا بصت للمشهد بضيق.
«هي بتمثل.»
سلمى لفتت لها بعصبية:
«لو سمحتي اسكتي.»
وصلت ممرضة من العيادة الموجودة جوه المول، وبدأت تفحص سعاد.
وبعد دقائق، طلبت منها تروح العيادة فورًا.
سلمى فضلت معاها.
مدحت قرب منها وقال:
«من النهارده ممنوع تدخلي المول.»
سلمى بصت له.
«أنا شغالة هنا.»
«هكلم إدارة الجيم.»
«كلمهم.»
«ممكن تخسري شغلك.»
سلمى بصت لسعاد.
وبعدين قالت:
«لو الحفاظ على شغلي معناه إني أسكت وأنا شايفة ست كبيرة محتاجة مساعدة قدامي… يبقى الشغل ده مش مستاهل.»
مدحت مشي وهو متضايق.
بعد شوية، سعاد بصت لسلمى.
«يا بنتي، إنتِ ممكن تخسري شغلك بسببي.»
سلمى ابتسمت.
«إنتِ معملتيش حاجة غلط عشان أسيبك.»
«ابني جاي ياخدني.»
«كويس. نستناه.»
بعد حوالي ربع ساعة، عربية سوداء فخمة وقفت قدام العيادة.
نزل منها راجل في أوائل الأربعينات، لابس قميص بسيط، وأكمامه مرفوعة، وداخل بسرعة.
أول ما شاف سعاد قال:
«ماما!»
سعاد ابتسمت.
«يا آدم.»
آدم قرب منها.
«إنتِ كويسة؟»
سعاد أشارت لسلمى.
«البنت دي هي اللي وقفت معايا. ولما تعبت، هي اللي فضلت جنبي.»
آدم بص لسلمى.
«أنا بشكرك جدًا.»
سلمى هزت راسها.
«اهتم بوالدتك، وده كفاية.»
آدم سألها:
«قالوا إنك ممكن تخسري شغلك؟»
«ممكن.»
«أقدر أساعدك.»
سلمى رفعت حاجبها.
«بفلوس؟»
«لو محتاجة.»
ابتسمت بسخرية.
«لا شكرًا. أنا مش محتاجة حد يشتري المشكلة بتاعتي.»
آدم قال بسرعة:
«أنا مش بحاول أشتريك.»
«تمام.»
سعاد كانت بتبص للاتنين وبتبتسم من غير ما تتدخل.
لكن تاني يوم، سلمى اتفاجئت إنها اتوقفت عن الشغل.
والأسوأ من كده…
بعد يومين ظهر فيديو على السوشيال ميديا.
الفيديو كان متقصوص.
بيظهر سلمى وهي ماسكة إيد لارا.
لكن مش ظاهر فيه إن لارا كانت بدأت المشكلة.
العنوان كان:
«مدربة جيم تتسبب في مشكلة مع فتاة داخل مول شهير.»
الفيديو انتشر بسرعة.
والجيم بدأ يستقبل شكاوى.
وبالليل، صاحب الجيم كريم اتصل بسلمى.
«سلمى… أنا مضطر أوقفك عن الشغل.»
سلمى سكتت ثواني.
وبعدين سألته:
«قبل ما توقفني… إنت مصدق إني عملت حاجة غلط؟»
سكت.
«كريم، أنا بسألك.»
قال بصوت ضعيف:
«الفيديو شكله وحش.»
سلمى قفلت عينيها.
«أنا مش بسألك شكله إيه. بسألك إنت مصدق إيه.»
ما ردش.
قفلت المكالمة.
كانت خسرت شغلها.
وسمعتها بدأت تتأثر.
وكل ده عشان وقفت جنب ست كبيرة.
لكن اللي سلمى ما كانتش تعرفه…
إن الراجل اللي دخل العيادة لابس قميص بسيط وبيسأل على أمه، ما كانش رجل أعمال عادي.
كان آدم منصور…
واحد من أشهر رجال الأعمال في مصر، ورئيس مجموعة شركات كبيرة قيمتها بالمليارات.
والأهم…
إنه لما شاف الفيديو المنتشر، ما صدقش كلمة واحدة منه.
لأنه اكتشف إن كاميرات المول سجلت كل اللي حصل من أول لحظة.
ولما طلب التسجيلات الأصلية…
اكتشف إن الفيديو اتقص بشكل متعمد.
والشخص الوحيد اللي كان عنده صلاحية يوصل للتسجيلات قبل ما تنتشر…
كان مدير المول نفسه.
آدم منصور ما ضيعش وقت.
بصفته رئيس مجموعة اقتصادية كبيرة، طلب من فريقه القانوني والتقني مراجعة التسجيلات والسجلات الرقمية.
وبعد ساعات من المراجعة، ظهرت الحقيقة:
الفيديو المنشور لم يكن كاملًا، وتم حذف أجزاء مهمة منه غيّرت معنى المشهد بالكامل.
الأغرب أن عملية إخراج الفيديو تمت من خلال صلاحيات مرتبطة بإدارة المول.
وفي صباح اليوم التالي، توجه آدم مع فريقه القانوني إلى مكتب مدحت صبري.
أول ما شاف مدحت آدم، اتغيرت ملامحه.
قال آدم بهدوء:
— واضح إنك ماكنتش عارف حجم المشكلة اللي عملتها.
مدحت حاول يبرر:
— يا فندم… أنا كنت بنفذ تعليمات الإدارة والمستثمرين.
آدم رد:
— أنا رئيس المجموعة المالكة للحصة الأكبر في المول، ومن حقي أعرف مين بيستخدم صلاحياته بطريقة تضر بسمعة الناس.
مدحت سكت.
آدم كمل:
— التسجيلات الكاملة هتظهر دلوقتي، وكل طرف هيكون مسؤول عن كلامه وتصرفاته.
بعدها مباشرة، تم نشر الفيديو الكامل، مع بيان رسمي يوضح الحقيقة من البداية.
وخلال ساعات، الناس اكتشفت إن الفيديو الأول كان ناقصًا ومضللًا.
والرأي العام بدأ يتغير تمامًا.
أما سلمى، فكانت قاعدة في شقتها البسيطة، بتحاول تتجاوز الأيام الصعبة.
وفجأة، رن هاتفها.
رقم غريب.
ردت.
جالها صوت آدم:
— سلمى؟
— أيوه.
— الحقيقة ظهرت بالكامل.
سكتت.
فكمل:
— وأنا عايز أطلب منك حاجة.
— إيه؟
— ترجعي شغلك ورأسك مرفوعة. ولو حابة، عندي عرض أفضل كمان.
سلمى ابتسمت لأول مرة من أيام.
— أنا مش عايزة شفقة.
ضحك آدم بهدوء.
— وأنا مش بعرض عليكي شفقة. أنا بعرض عليكي فرصة لأنك تستحقيها.
في اليوم التالي، انتشر الفيديو الكامل.
والناس بدأت تكتب عن سلمى بشكل مختلف.
ناس كتير اعتذرت لها.
والجيم نفسه أعلن إنه هيراجع قراره.
أما لارا، فاضطرت تعتذر لسعاد أمام عدد من الحضور، ووالدها أعلن أنه هيتعامل مع الموضوع بشكل قانوني ورسمي.
وبعد أيام قليلة، تلقت سلمى دعوة لزيارة المقر الرئيسي لشركات آدم منصور.
دخلت المبنى وهي مترددة.
استقبلها آدم بنفسه.
وقال:
— عندي عرض ليكي.
— إيه؟
— عايزك تديري وتطوري برنامج اللياقة البدنية للعاملين في المجموعة.
سلمى اتفاجئت.
— أنا؟
— أيوه.
— بس أنا مدربة جيم.
— وده بالظبط اللي إحنا محتاجينه.
وقبل ما ترد…
سمعت صوتًا تعرفه.
— سلمى!
لفت.
كانت الحاجة سعاد.
جريت عليها وحضنتها.
— وحشتيني يا بنتي.
سلمى ابتسمت.
— وإنتِ كمان.
آدم كان واقف بعيد وبيبتسم.
وبعدين قال:
— الناس اللي زيك هما اللي بيخلوا الدنيا أحسن.
سلمى ردت:
— أنا عملت اللي أي حد كان المفروض يعمله.
قال:
— وده في حد ذاته شيء نادر.
بعد فترة، رجعت سلمى للمول.
دخلت نفس المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
كانت ماشية جنب الحاجة سعاد.
الناس اللي شافوها قبل كده بدأوا يبتسموا لها.
واحدة من العاملات قالت:
— مبروك يا سلمى.
ضحكت.
— على إيه؟
— على إن الحقيقة ظهرت.
بصت لسعاد.
سعاد قالت:
— شوفتِ؟
— شوفت إيه؟
— اللي بيعمل الصح ممكن يتعب شوية… بس في الآخر ربنا بيفتح له باب أحسن.
سلمى ابتسمت.
وبصت للمكان حواليها.
من كام أسبوع كانت فاكرة إن وقفتها مع ست غريبة ممكن تكلفها شغلها
ومستقبلها.
لكنها اكتشفت حاجة أهم:
إن الإنسان مش بيتقاس بفلوسه، ولا بملابسه، ولا بمكانته.
بيتقاس بالموقف اللي بياخده لما يشوف حد محتاج مساعدة.
ومع الوقت، بدأت سلمى شغلها الجديد، وبقت مسؤولة عن برامج اللياقة داخل مجموعة آدم.
أما الحاجة سعاد، فبقت تزورها كل أسبوع.
وفي كل مرة كانت تقول لها نفس الجملة:
— أنا يومها كنت فاكرة إني محتاجة حد يساعدني…
وتبتسم.
— لكن واضح إن ربنا كان بيجهزلي بنت جديدة.
سلمى كانت تضحك وتحضنها.
أما آدم، فكان كل ما يشوفهم من بعيد يبتسم.
لأنه عرف إن اليوم اللي وقفت فيه سلمى جنب والدته…
ماكانش مجرد موقف عابر.
كان بداية حكاية جديدة.
حكاية أثبتت إن الشهامة مش محتاجة فلوس، وإن الموقف الصغير ممكن يفتح أبواب كبيرة، وإن الحقيقة مهما اتأخرت… بتظهر في النهاية.
تمت.




