قصص من الحياة

ابني لبس الفستان الاحمر

«نحن لا نحاول التدخل في اختياره الشخصي.. لكننا نريد فقط أن يظل اليوم مخصصًا للخريجين، ويمكننا توفير زي تخرج آخر له لتجنب أي مشكلة.»
نظرت إلى الجانب الآخر من المطبخ؛ كان آرون واقفًا بجوار الدرج ويسمع كل شيء.
سألت:
«أي نوع من الملابس؟»
«لدينا زي تخرج إضافي يمكنه ارتداؤه.»
قلت:
«لديه ملابس بالفعل.»
ساد الصمت للحظة قبل أن تقول:
«نحن نحاول منع حدوث موقف صعب.»
مد آرون يده نحو الهاتف، وناولته إياه.
استمع إليها في صمت، ثم قال:
«شكرًا، لكنني سأرتدي الفستان.»
صمت قليلًا وأضاف:
«لا. فهمت.»
ثم أعاد إليّ الهاتف.
حدقت فيه:
«لا يزال بإمكانك تغيير رأيك.»
التقط حقيبة الملابس وقال:
«لن أفعل.. لقد أرسلت لهم صورة ماري التي كانت ستستخدم في برنامج التخرج لو أنها بقيت معنا، وطلبت منهم أن يعرضوها على الشاشة عندما أعطيهم الإشارة.»
نظرت إليه بدهشة:
«هل يعرفون لماذا؟»
قال:
«يعرفون أن ماري كانت توأمتي وأنها توفيت قبل التخرج. لكنهم لا يعرفون أنني سأرتدي فستانها.»

بحلول الوقت الذي وصلنا فيه إلى قاعة الاحتفال، كنت بالكاد أستطيع التنفس.
لاحظ الناس آرون فور دخوله؛ راح الطلاب يحدقون، وضحك بعضهم.
نظرت إحدى الأمهات إليه ثم همست بشيء للمرأة بجوارها.
وقف آرون وسط زملائه وكأن شيئًا لا يزعجه، لكنني كنت أعرفه جيدًا؛ كان كتفاه متصلبين وفكه مشدودًا.
أردت أن آخذه إلى المنزل، لكنني جلست في الصف الثالث لأنه طلب مني ذلك.
قال لي قبل أن ينضم إلى زملائه:
«مهما حدث، ابقي في مكان أستطيع أن أراك فيه.»
لذلك بقيت.

بدأت أسماء الخريجين تُنادى واحدًا تلو الآخر، والهمسات تزداد كلما ظهر آرون في كاميرا أحدهم.
ثم أعلنت المديرة اسمه أخيرًا.
صعد آرون إلى المسرح، ولحقت به الضحكات.
تسلّم شهادة تخرجه، ثم استدار.
وبدلًا من أن يتجه نحو زملائه، نزل آرون الدرج وبدأ يسير في الممر الأوسط نحوي.
ازدادت الضوضاء في القاعة، وضحك شخص آخر.
وعندما وصل إلى الصف الثالث، توقف أمامي مباشرة.
وللمرة الأولى في ذلك اليوم، انهارت قدرته على التماسك؛ امتلأت عيناه بالدموع وقال بصوت خافت:
«هذا من أجلك.. من أجلكما أنتِ وماري.»
مد آرون يده إلى جيب الفستان الأحمر، وأخرج شيئًا صغيرًا ملفوفًا بعناية في ورقة مناديل.
فتح الورقة، وفي اللحظة التي رأيت فيها ما بداخلها، اختفت القاعة من حولي.
كانت زهرة أقحوان صفراء مجففة؛ إحدى بتلاتها مفقودة، واسودّ ساقها قليلًا من أثر الزمن.
لكنني عرفت فورًا من أين جاءت.
وضعت يدي على فمي:
«آه يا آرون…»

وفجأة، عدت بذاكرتي إلى الأيام التي سبقت وفاتها، عندما أخذتها للتسوق لتختار فستانها الذي أرادته باللون الأحمر بعيدًا عن الألوان الكئيبة.
وفي طريق العودة إلى المستشفى، طلبت مني أن أتوقف بجوار حديقة صغيرة، حيث قطفت هذه الزهرة الصفراء من جانب الممر.
لاحقًا، وضعت الزهرة داخل أحد الكتب في المستشفى، ونسيت الأمر تمامًا حتى هذه اللحظة التي كان آرون يحملها فيها في كفه.

بدأت يداي ترتجفان، وسألته:
«من أين حصلت عليها؟»
نظر إلى الأسفل:
«ماري أعطتني إياها قبل وفاتها بثلاثة أيام، وجعلتني أعدها ألا أخبر أحدًا.»
فتح آرون قطعة أخرى من ورق المناديل، وكان تحتها خطاب كامل بخط يد ابنتي.
ناولني آرون الرسالة، وبالكاد استطعت فتحها بينما كان ينحني بجوار مقعدي ويقرأها بصوت خافت معي.
كتبت ماري أنها تعرف أنها لن تصل إلى حفل التخرج، وكان يؤلمها أن تتخيل آرون يعبر المسرح دونها، لكنها لم ترغب لغيابها أن يحول حفل تخرجه إلى ذكرى حزينة.
أرادت للفستان أن يُرى، وأرادتنا أن نعرف أنه حتى مع وجود مقعد فارغ، فإن طفليَّ كليهما قد وصلا إلى يوم التخرج.

ضغطت الرسالة على صدري، وخرج مني صوت لم أستطع السيطرة عليه وأنا أضمه إليّ بقوة.
همس آرون:
«كانت تريدك أن تحصلي على الزهرة.»
هززت رأسي فوق كتفه:
«لماذا لم تخبرني؟»
قال:
«لأنك كنت ستمنعينني.»
وكان محقًا.

على بعد بضعة مقاعد منا، خفضت إحدى الأمهات اللاتي كن يضحكن في البداية عينيها، وغطت امرأة أخرى فمها بيدها.
ثم همس شخص خلفنا:
«هل هذا فستان أخته؟»
انتشر السؤال، ومعده الجواب.
تغيرت الهمسات تمامًا.
الشاب الذي صوّر آرون خفض هاتفه ببطء، وطالب آخر ظل يحدق في الأرض، وفتاة بالقرب من الممر بدأت تبكي.
ثم رأيت بن؛ كان أعز أصدقاء آرون واقفًا عند الجدار بوجه شاحب، وبدأ يسير نحونا ببطء.
اقترب وقال:
«لم أكن أعرف.»
اشتدت ملامح آرون:
«لأنك لم تسأل.»
ابتلع بن ريقه:
«ظننت أنك تحاول توصيل رسالة بطريقة ما.»
قال آرون:
«كنت أفعل.. لكنها لم تكن الرسالة التي ظننتها.»
امتلأت عينا بن بالدموع:
«أنا آسف.»

ثم نزلت المديرة من المسرح، وقالت بصوت سمعته القاعة كلها:
«هذا الصباح، طلبنا منك أن تفكر في ارتداء شيء أكثر ملاءمة.. وأنا آسفة.»
ثم التفتت نحو الجمهور وقالت:
«سنوقف الحفل للحظات.. هل تسمح لنا بأن يعرف الجميع لمن كان هذا الفستان؟»
نظر آرون إليّ، فأومأت برأسي.
عاد إلى مقدمة القاعة. هذه المرة، لم يضحك أحد.
وقف تحت الأضواء، وقال بصوت ثابت:
«كان من المفترض أن تتخرج معي اليوم أختي التوأم، ماري.. اختارت هذا الفستان، لكنها ماتت قبل أن تتمكن من ارتدائه. قبل وفاتها، جعلتني أعدها ألا أترك هذا الفستان في الخزانة، وأن أضمن أن ترانا أمي نتخرج معًا.»
ثم رفع الزهرة المجففة وقال:
«قطفت هذه الزهرة خارج المستشفى في اليوم الذي اشترينا فيه الفستان، وطلبت مني أن أعطيها لأمي اليوم. كنت أعرف أن بعضكم سيضحك، وكدت أتراجع.. لكن ماري كانت تخشى أن تُنسى أكثر مما كنت أخشى أن يضحك الناس عليّ.»

في تلك اللحظة، تغير كل شيء في القاعة.
أومأ آرون للمديرة، فتغيرت الشاشة الكبيرة خلفه لتظهر صورة ماري وتحتها اسمها:
«ماري — تخليدًا لذكراها»، وتاريخ تخرج دفعتها.
انفجرت القاعة بالتصفيق الحار.
احتضنت آرون بعد أن عاد إليّ، وهمست:
«لم يكن ينبغي أن تتحمل كل هذا.»
هز رأسه:
«كان يستحق.»

بعد انتهاء الحفل، اقترب منا الكثيرون للاعتذار والإعراب عن إعجابهم. أما بن فبقي قريبًا يساعدنا في حمل الأغراض بهدوء.
وفي طريقنا إلى موقف السيارات، اهتز هاتفي برسالة من دين تقول:
«كان ينبغي أن أكون هناك.»
ظللت أحدق في الشاشة طويلًا ولم أجب. ليس بعد.
لاحظ آرون اسم والده وقال بهدوء:
«هو اختار بنفسه.» ولم يكن في صوته أي غضب.

في المنزل، وضعت زهرة ماري المجففة داخل إطار صغير بالقرب من صورة لهما وهما في الثامنة من عمرهما.
لأشهر، كانت كل صورة لماري تبدو لي دليلاً على ما فقدناه. لكن في تلك الليلة، تغير شيء ما.
ظللت أشعر بالألم، لكن الصورة أصبحت تذكرني أنها كانت هنا؛ ضحكت، وأحبتنا، وعاشت بيننا.
وبطريقة ما، في يوم تخرج آرون، وجدت طريقها إلى قاعة مليئة بأشخاص تذكروا الفستان الأحمر والزهرة الصفراء، والأهم من ذلك، تذكروا الأخ الذي أحب أخته بدرجة جعلته مستعدًا لأن يمشي وسط ضحكاتهم ليحمل ذكراها معه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى