منوعات

ما الحكمه من الطواف

تبدأ شؤون المسلم في تفاصيل حياته اليومية بميمنته؛ فنحن نأكل باليمين، ونسلم باليمين، وندخل المساجد ونبدأ بها، ونقوم بكثير من الأعمال المفضلة بالجانب الأيمن، اقتداءً بالهدي النبوي الشريف في إكرام الجهة اليمنى وتفضيلها في باب التكريم. لكن، وحين يتعلق الأمر بأعظم العبادات المكانية في أطهر بقاع الأرض، وتحديداً في الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج والعمرة، نجد أن المشهد يتخذ طابعاً تنظيمياً وكونياً فريداً؛ ألا وهو الطواف حول الكعبة المشرفة عكس اتجاه عقارب الساعة.

 

هذا الاتجاه الثابت والمحدد بدقة لم يأتِ عبثاً، بل هو ركن أساسي ومظهر تعبدي توقيفي حكيم، وله من الدلالات العميقة ما يربط قلب الإنسان المسلم بحركة الكون والوجود بأسره. وفي هذا المقال، نسلط الضوء على الحِكم الشرعية، والفوائد الإيمانية، والإشارات العلمية التي تحيط بهذه الشعيرة العظيمة.

أولاً: الامتثال والتأسّي بالهدي النبوي الشريف
إن القاعدة الأساسية في العبادات الإسلامية هي التوقيف والاتباع لا الابتداع. وتمام العبودية لله سبحانه وتعالى يظهر في التسليم المطلق لأوامره وهدي نبيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

لقد أدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مناسك الحج والعمرة بيقين تام وأمرنا بالأخذ عنه، فقال في الحديث الشريف: “خُذُوا عني مناسككم”. ومن ضمن هذه المناسك المرعية أداء الطواف حول الكعبة على تلك الهيئة المعهودة بالبدء من الحجر الأسود وجعل البيت الحرام عن اليسار والطواف بمحاذاة البيت عكس اتجاه عقارب الساعة. فالامتثال هنا هو الغاية العظمى، والمسلم يلبي النداء طاعةً ومحبةً بغض النظر عن إدراكه الكامل لكافة الأسرار، فالتسليم لله مقدم على كل اعتبار.

ثانياً: البعد الإيماني والقلبي في حركة الطواف
ذكر أهل العلم وعلماء القلوب لطائف دقيقة تتعلق بآلية الطواف، فقلب الإنسان المستقر في الجانب الأيسر من الصدر يكون أثناء الطواف -حين تُجعل الكعبة على اليسار- أقرب ما يكون إلى جدار الكعبة المشرفة والبيت العتيق. وكأن الجسد بكل كيانه، وخاصة مركز الحياة فيه (القلب)، يدور حائماً حول محور الإيمان والتوحيد.

هذا التقارب المكاني والروحي يعطي شعوراً عميقاً بالخشوع والرهبة. فالطواف ليس مجرد خطوات مادية تُقاس بالأمتار، بل هو رحلة روحية يعرج فيها القلب نحو بارئه، مستشعراً عظمة المكان وطهارة البقاع، ومنظفاً لصحائف الأعمال من أدران الذنوب والمعاصي.

ثالثاً: توافق حركة الإنسان مع سنن الكون الكبرى
في دراسات التأمل الكوني، يلتفت الباحثون والعلماء إلى ظاهرة فريدة تتعلق باتجاه الحركة في هذا الكون الفسيح. فحين نتأمل نجد أن حركة الكائنات والأجرام السارية تتخذ اتجاهات معينة تشبه تماماً حركة الطواف الإسلامي:

داخل جسم الإنسان: تتدفق الدورة الدموية وفق منظومة دقيقة متناغمة تعكس إعجاز الخالق في تدبير الأجساد.

على نطاق كوكب الأرض والمجموعة الشمسية: يدور القمر حول الأرض، وتدور الأرض والكواكب حول الشمس، وتدور الشمس بمجموعتها حول مركز المجرة، بل والمجرات بأسرها تسبح في الفضاء الفسيح في اتجاهات متسقة تتطابق في جوهرها مع حركة الطواف عكس عقارب الساعة.

هذا التناغم الكوني المذهل يعطي دلالة بليغة على أن المسلم الطائف حول الكعبة المشرفة لا يؤدي مناسك بمعزل عن هذا الوجود، بل إنه يندمج في تسبيح كوني شامل. فالكون كله، بنجومه وكواكبه ومجراته، يسبح بحمد ربه، وحين تطوف حول الكعبة فإنك تتحد مع سنن الكون الكبرى في السجود والتسبيح والتوحيد للخالق الواحد الأحد.

رابعاً: فضل الطواف بالبيت الحرام والأجر العظيم
لقد وردت أحاديث صحيحة وثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تبين عظم الثواب والأجر المترتب على أداء الطواف والمشي في هذه العبادة الجليلة. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد (4462) والترمذي (959) والنسائي (866) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أنه قال عن استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف:

“سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اسْتِلَامَهُمَا يَحُطُّ الْخَطَايَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا، يُحْصِيهِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ: كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا: إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ”.

وقد حسّن هذا الإسناد عدد من المحققين الكبار كالإمام أحمد شاكر والشيخ الألباني والشيخ الأرناؤوط رحمهم الله جميعاً. وفي رواية الترمذي بلفظ مقارب: “لا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً”.

ويوضح أهل العلم والفقه، كالعلامة السندي وغيره، أن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الطواف والأعمال الملحقة به إنه (كعدل رقبة)، يعني أنه يساوى في الأجر والثواب الجزيل عتق رقبة مملوكة في سبيل الله، وهو ما يبرز فضلاً إلهياً عظيماً، ورحمة واسعة يمن بها سبحانه وتعالى على عباده الطائفين القاصدين بيته الحرام.

خاتمة مباركة
إن الطواف حول الكعبة المشرفة ليس مجرد حركة جسدية أو تقاليد موروثة، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تجمع بين روح الاتباع والتسليم المطلق لأمر الله سبحانه وتعالى، وبين التأمل في تناغم الوجود والكون الفسيح الخاضع لعظمة الخالق. وكل خطوة يخطوها العبد طائفاً محباً، ترفع درجاته وتحط عنه خطاياه، ليعود كيومه ولدته أمه نقياً طاهراً.

فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإخواننا المسلمين زيارة بيته الحرام، وأن يتقبل منا ومن الحجاج والمعتمرين صالح الأعمال، وأن يجعل أعمال خالصة لوجهه الكريم. سبحانك اللّهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى