
احذري هذه الممارسة الخاطئة مع طفلك حديث الولادة: حكاية من قلب عيادة الأطفال
يدخل عليّ عيادتي طفل صغير يبكي بلا انقطاع، ووجهه محتقن من شدة البكاء، والأب يبدو عليه القلق والارتباك الشديد. بادرني الأب باللهجة العامية البسيطة التي تحمل كل معاني الندم والخوف قائلاً:
“يا دكتور، لاقينا صدره كبير فعصرته ونزل مادة لبنية، ففضلت أعصر فيه أكتر على أساس إن الحجم ينزل.. تاني يوم لقيت صدره أحمر ووارم والطفل بيصرخ ومش مبطل عياط خالص!”
نظرت إليه بدهشة بالغة وقولت له بانفعال حائر: “إيه اللي عملته ده يا راجل؟!”، فرد عليّ ببراءة تامة وصدمة: “إزاي يا دكتور، هو أنا غلطان؟!”. هنا بدأ واجبي الطبي في شرح القصة الحقيقية وما يعانيه الطفل بالفعل لكل أب وأم يقعون في هذا الفخ الشائع.
ما هي حقيقة تضخم صدر حديثي الولادة؟
القصة باختصار أن بعض الأطفال، سواء كانوا إناثاً أو ذكوراً، بيُولدوا فنلاحظ أحياناً أن حجم صدرهم كبير شوية عن المعتاد. قد يثير هذا المشهد فزع الآاباء والأمهات، ولكن له تفسير علمي بحت ودقيق.
السبب وراء هذه الظاهرة هو أن الطفل يتلقى نسبة معينة من هرمون “الإستروجين” من أمه أثناء فترة الحمل وعبر المشيمة أثناء عملية الولادة. هذا الهرمون المؤقت يقوم بتحفيز أنسجة الثدي عند الرضيع، فيكبر حجمه لفترة مؤقتة. هذه الحالة تُعرف علمياً وطبياً باسم: (Physiological Neonatal Breast Enlargement)، وهي ظاهرة فسيولوجية طبيعية جداً وغير مقلقة بالمرة.
لماذا تختفي وحدها دون أي تدخل؟
هذه الحالة الفيزيولوجية لا تحتاج إلى أي علاج، فهي ببساطة تزول وتختفي وحدها تدريجياً خلال الأسابيع الأولى وحتى 3 شهور من العمر، وذلك بمجرد أن يقل معدل هرمون الإستروجين تدريجياً وبشكل طبيعي من جسم الرضيع بعد انفصاله عن جسم الأم.
الخطأ القاتل: العصر والضغط المستمر
المشكلة الكبرى تبدأ عندما يعتقد بعض الآباء أو الأمهات أن الضغط أو “عصر” ثدي الرضيع لتفريغ المادة اللبنية التي تظهر أحياناً سيساعد في تصغير حجم الثدي المتضخم.
هذا التصرف الخاطئ تماماً يقلب الموازين؛ فبدلاً من أن تزول الحالة وحدها، يتسبب العصر اليدوي المتكرر في إدخال البكتيريا وإحداث تهتك في الأنسجة الرقيقة الحساسة للرضيع، مما يحولها سريعاً إلى التهاب حاد في الصدر، ومنه للأسف يتطور الأمر إلى تكوين “خراج” مؤلم يحتاج إلى تدخل علاجي أو جراحي.
في حالة الطفل الذي زار عيادتي، وصل إلينا في مرحلة الالتهاب الحاد، وتم بفضل الله التعامل مع الحالة عبر وصف الأدوية والمراهم الموضعية المناسبة وخف تماماً. أما لو تأخر الأهل وحض الطفل وقد تكون الخراج بالفعل، فسوف يضطر الطبيب إلى التدخل لتفتيحه وتنكظيفه جراحياً، وهو ما يعرض الرضيع لآلام مضاعفة لا داعي لها.
خلاصة إرشادية لكل أم وأب:
إذا وُلد طفلكِ أو طفلتكِ بصدر كبير نسبياً، فإياكِ تماماً الاقتراب منه، أو محاولة الضغط عليه، أو تجربة أي وصفات شعبية. كل ما عليكِ فعله هو ترك الطبيعة تأخذ مجراها ومراقبة الطفل، مع الحرص على استشارة طبيب أطفال أو جراح أطفال متخصص للاطمئنان والتأكد من عدم وجود أي مضاعفات.
شارك هذا المقال على نطاق واسع لصل إلى كل أب وأم، ولنحمي معاً أطفالنا الصغار من الممارسات الخاطئة الشائعة التي قد تضر بصحتهم.
معلومات طبية إضافية هامة لسلامة طفلك:
أثناء عملية الولادة وأواخر الحمل، ينتقل هرمون الإستروجين من الأم إلى الجنين عبر المشيمة بشكل طبيعي ومؤقت، وهو ما يفسر ظهور بعض التغيرات الجسدية على المواليد الجدد خلال الأسابيع الأولى، ومن أبرزها:
تورم الثديين المؤقت لدى الجنسين (وهو أمر طبيعي تماماً).
نزف مهبلي خفيف جداً ومؤقت لدى الإناث حديثات الولادة نتيجة انسحاب هرمونات الأم.
هذه التغيرات الطبيعية لا تمثل أي مرض خطير، ولا تتطلب إطلاقاً أي تدخل دوائي أو هرموني أو موضعي. وإذا راودك أي قلق أو لاحظتِ أعراضاً غير معتادة على رضيعك، فالوجهة الصحيحة والأبقى لسلامته هي استشارة الطبيب المختص فوراً.




