
شهد الشارع السوري ومنصات التواصل الاجتماعي تفاعلاً واسعاً إثر صدور حكم قضائي بارز عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق يقضي بإعدام عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق في محافظة درعا وابن خالة الرئيس المخلوع بشار الأسد، وذلك بعد استكمال جلسات محاكمته بحضوره. كما تضمن القرار القضائي إصدار أحكام غيابية بالإعدام بحق كل من بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد،
وآخرين متهمين بجرائم بحق مدنيين، خلال جلسة النطق بالحكم التي عقدت يوم الثلاثاء، 11 آب. وتلقى نجيب أحكامًا متعددة تتراوح بين سنتين وست سنوات، إلى جانب غرامات مالية، إلا أن القاضي حكم بتنفيذ العقوبة الأشد وهي الإعدام، مع إلزامه بدفع الغرامات وتثبيت الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة وإدارة أموال المحكوم عليهم.
تفاصيل الاتهامات والأحكام الصادرة بحق المتهمين
وجه القاضي فخر الدين العريان اتهامات بالقتل العمد ضد أشخاص لمرات متعددة، والتحريض على قتلهم، وجناية التعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وإلى جانب بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب، شملت الأحكام كلًا من فهد الفريج، ولؤي العلي، وقصي ميهوب، ووفيق ناصر، وطلال العيسمي، في حين أسقطت دعوى الحق العام عن أيمن عيوش بسبب وفاته. وأشار القاضي إلى إبقاء مذكرات التوقيف الغيابية نافذة بحق المتهمين، وتعميمها على كافة الجهات المختصة، ومخاطبة المرجع المختص لاتخاذ ما يلزم بشأن ملاحقتهم دولياً. وفيما يتعلق بعاطف نجيب، أشار القاضي إلى أن الأخير كرر أقواله خلال الجلسات السابقة بنفي التهم المنسوبة إليه والاعتراض على ادعاءات الشهود، وهو ما رفضته المحكمة بعد الاستماع إلى أقواله الأخيرة قبل إعلان ختام الجلسة.
الارتباط التاريخي بقضية أطفال درعا
يرتبط اسم عاطف نجيب في الذاكرة الجمعية السورية بالانتهاكات الصارخة التي طالت أبناء محافظة درعا في آذار/مارس 2011، حين أقدم على اعتقال مجموعة أطفال وتعذيبهم لمجرد كتابتهم شعارات مناهضة على جدران مدرستهم، وهي الحادثة التي شكلت الشرارة الأولى للثورة السورية التي استمرت نحو 14 عاماً. وذاع صيت نجيب حينها بعد تنقله بين عدد من الفروع التابعة للأمن السياسي في دمشق وطرطوس وقبل أن ينتهي به المطاف رئيسًا لفرع الأمن السياسي في درعا. وفور تداول نبأ الحكم، شهدت مساجد محافظة درعا تعالي أصوات التكبير والتهليل ابتهاجا بالقصاص، بينما انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد مصورة توثق لحظة وصول عاطف نجيب إلى مقر محكمة الجنايات الرابعة قبيل النطق بالحكم.
مسار جلسات العدالة الانتقالية
يعتبر هذا الحكم هو الأول من نوعه في سياق العدالة الانتقالية بحق متهمين مرتبطين بالنظام السوري السابق منذ سقوطه في 8 كانون الأول 2024. وجرى النطق بالحكم خلال الجلسة التاسعة ضمن سلسلة جلسات بدأت في 26 نيسان الماضي. وما زال متهمون آخرون ينتظرون محاكمتهم، أبرزهم المفتي السابق للجمهورية أحمد حسون، والتي ستنعقد جلسة النطق بحكمه في 24 آب الحالي، إلى جانب جلسات محاكمة كل من وسيم الأسد، وإبراهيم حويجة، ومحمد الشعار، والآلاف من ضباط وعناصر المؤسسات العسكرية والأمنية. وكان ممثل النيابة العامة قد طالب خلال الجلسات السابقة بإنزال أقصى العقوبات المقررة قانوناً بحق المتهم نجيب.
آراء حقوقية وقراءات في مسار العدالة الانتقالية
علق رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، العميد عبد الباسط عبد اللطيف، عبر حسابه على منصة “إكس” بأن هذه ليست نهاية الطريق، لكنها محطة مهمة في طريق العدالة وإنصاف الضحايا وترسيخ سيادة القانون. ومن جهته، اعتبر الحقوقي والمتخصص بملف العدالة الانتقالية، منصور العمري، أن محاكمة نجيب والحكم عليه بعقوبة الإعدام هي خطوة أولى وعنصر محوري تتطلب عدة خطوات لاحقة ليكتمل مسار العدالة، أبرزها:
إتاحة المجال للمحكوم للاعتراض والاستئناف وكل مراحل التقاضي العادل حتى يكتسب الحكم الدرجة القطعية والنهائية، لكون ذلك يميّز القضاء في دولة القانون.
إجراء محاكمة ثانية تشمل جرائم نجيب الأخرى في إدلب وغيرها من مناطق سوريا بعد عام 2011 بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية، لكشف الحقائق وأرشفتها.
تعويض الضحايا وأهاليهم وجميع المتضررين ماديًا ومعنويًا من قبل الدولة، باعتبار أن الجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها أجهزة الدولة بشكل منهجي وواسع النطاق.
دراسة وتحليل أفعال نجيب وأسبابها لوضع توصيات إصلاحية لأجهزة الأمن وإنفاذ القانون وضمان عدم تكرار هذه الفظائع.
التأكيد على مسؤولية الدول التي تأوي المطلوبين وأموالهم وممتلكاتهم في تقويض العدالة وانتهاك الالتزامات الدولية، مما يتيح للسوريين ملاحقتها ومساءلتها.
كما أشار رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عامر العلي في تدوينة له إلى أن هذا الحكم يمثل إنصافاً للشهداء وذويهم ورسالة بأن دماء المظلومين لم تُنسَ، مؤكداً أن العدالة هي الطريق الأساسي لجراح الوطن في سوريا الجديدة.



