
مرت ثلاثة أشهر بالضبط منذ ذلك الحادث المروري المشؤوم الذي أطفأ نور عينيّ إلى الأبد. ثلاثة أشهر وأنا أعيش في عالم من السواد المطلق، حيث تحولت الألوان الزاهية إلى درجات متدرجة من الرمادي الحالك، وانقلبت حياتي رأسًا على عقب. كنت أستاذة جامعية، أرى التفاصيل، وأقرأ الكتب، وأتأمل وجه ابنتي الصغيرة وزوجي حازم. لكن بين عشية وضحاها، سُلب مني البصر، وبقي البصيرة وحدها تصارع وحشة الفقد.
في بداية الأمر، كان الدعم محيطاً بي من كل جانب. حازم، زوجي الحبيب، كان كالظل الذي لا يفارقني؛ يقود خطاي، ويقرأ لي الرسائل، ويطبطب على كتفي كلما داهمتني نوبات البكاء واليأس. لكن الأيام دارت، وبدأت وتيرة الحياة تتغير ببطء مخيف. انشغال حازم الدائم بعمله، وتبريره المستمر لتأخره، خلق في نفسي هواجس ثقيلة لا تطاق.
وميض الشك في الظلام
لم تكن عيناي هما اللتين تفقدان القدرة على الرؤية فحسب، بل بدا أن حواسي الأخرى قد تضاعفت حدتها لتلتقط ما لا يراه الآخرون. كنت ألاحظ تغيرًا طفيفًا في نبرة صوت حازم عندما يتحدث في الهاتف، ورائحة عطر نسائي غريب تلتصق بقميصه أحياناً، ثم يسارع بتبديله بحجة العرق أو الاتساخ.
لكن الشخص الأبرز الذي دخل حياتنا بعد الحادث مباشرة كان “داليا”، ابنة عم حازم أو هكذا قدمها لي. جاءت لتعيش معنا في البيت بحجة مساعدتي في أعباء المنزل العناية بي وبابنتي في هذه الظروف الصعبة. في البداية، شعرت بالامتنان لوجود امرأة أخرى في البيت ترفع عني حرج الاعتماد الكامل على حازم. إلا أن هذا الامتنان تحول تدريجيًا إلى شعور خفي بالخطر والاختناق.
داليا لم تكن مجرد قريبة مساعدة؛ كانت تفرض حضورها بقوة وثقة مفرطة. كانت تتحرك في أرجاء المنزل بخفة ودون اصدار أصوات، وكنت أسمع همس حديثها الطويل مع حازم في الممرات وأطراف الليل المتاخرة، يتقطعان بالضحكات المكتومة ما إن أقترب أو أنادي أحدهما.
سكون الغرفة وانكشاف المستور
في ذلك اليوم، بعد مرور الأشهر الثلاثة بالتحديد، كنت جالسة على السرير في غرفة النوم الرئيسية، غارقة في أفكاري وظلامي. كانت الغرفة ساكنة تماماً، لا تكاد تفصلني عن العالم الخارجي سوى دقات قلبي المتسارعة وهواجسي التي لا تنتهي.
شعرت بباب الغرفة يفتح ببطء شديد، ودون إصدار صرخة الخشب المعتادة، مما يعني أن أحدهم حرص على زيتها مؤخراً. هبت نسمة خفيفة تحمل رائحة عطر داليا النفاذ والمزعج، يمزج بين عبق الياسمين الصناعي وبرودتها المعتادة.
مدرت وجهي نحو مصدر الصوت، عيناي الزائغتان تواجهان الفراغ، بينما تجمعت حواسي كلها في أذنيّ.
وقفت داليا عند عتبة الباب، متمسكة بإطاره، ترتدي روبًا أحمر داكنًا فخمًا يغطي جسدها ببطء، وابتسامة ماكرة وساخرة ترتسم على شفتيها المزينتين بأحمر شفاه قاني. كانت تحمل بيدها صينية صغيرة ترتكز عليها أكواب زجاجية شفافة، وراحت تقترب بخطوات موزونة ومدروسة، كأنها قطة مفترسة تقترب من فريستها العاجزة.
المواجهة الصامتة
وقفت بالقرب من السرير حيث أجلس، وحدقت في وجهي مطولاً بعينين مليئتين بالشماتة والخبث. كانت تظن أنني غارقة في عمى تام لدرجة تجعلني أجهل تماماً ما يدور حولها من مؤامرات وخيانة، غير مدركة أن أذنيّ تلتقطان حتى أنفاسها المتسارعة، وأن إحساسي بالجو المحيط بي أصبح أشد قسوة من رؤية المرآة.
قالت بصوت خفيض، يقطر سمًا ودلالًا مصطنعًا:




