قصص من الحياة

بعد ٣ اشهر

“ألم ترتوي بعد من هذه العتمة يا حبيبتي؟ الحياة خارج هذا السرير جميلة حقاً، وأنتِ… تبدين متعبة ومكانه ليس هنا.”

لم تستطع كلماتها أن تمر مرور الكرام، فرغم أنني لا أملك بصري، إلا أنني أملك عزيمة جبارة وصبرًا راكمته طوال تلك الشهور الثلاثة من الألم والتدريب على الاعتماد على الذات في الخفاء. كنت أعرف أين تضع أشياءها، وكنت أستمع لتفاصيل حركاتها في أرجاء البيت عندما تظن أنني نائمة.

رفعت رأسي بثبات، ووجهت وجهي نحوها تماماً، ورغم أن بصري لا يرى، إلا أن نظرات وجهي كانت تحمل قوة وصلابة أربكت ابتسامتها الماكرة لثوانٍ معدودات.

رددت بصوت هادئ وثابت تماماً، أذهلها وأوقف أنفاسها:

“العتمة التي ترينها يا داليا لا تفقدني سوى ملامح الأشياء، لكنها تمنحني قدرة نادرة على سماع زيف القلوب… وأنتِ وحازم أصواتكما أعلى بكثير مما تتخيلان.”

خيوط المؤامرة تتكشف
تراجعَت خطوات إلى الخلف، واهتزت الصينية في يدها لفترة قصيرة قبل أن تتمالك نفسها وتخفي ارتباكها بغطرسة واضحة. وضعت الصينية على الطاولة المجاورة للسرير بقسوة متعمدة، وقالت بنبرة حادة كشفت عن وجهها الحقيقي:

“تبدين واثقة جدًا من نفسكِ وأنتِ في هذا الوضع العاجز! ألا تدركين أن الأيام القادمة لن تحمل لكِ سوى مزيد من العزلة؟ حازم ملّ من رعاية امرأة عمياء لا تملك شيئًا تقدمه سوى الشكوى.”

ابتسمت ببطء، ابتسامة باردة جعلتها تتجمد في مكانها. لم أرد عليها بالكلام، بل تركت الصمت يثقل كاهلها. في تلك اللحظة بالذات، تذكرت كل تفصيلة صغيرة جمعتها والمحقق الخاص الذي استأجرته سراً منذ الشهر الثاني لعمى، بمساعدة صديقة وفية لي استطاعت الوصول إلى أدلة دامغة دون علم حازم.

الملفات لم تكن مجرد شكوك عادية، بل كانت وثائق تثبت تورط حازم وداليا في محاولة الاستيلاء على أملاكي وميراث عائلتي، بل والتخطيط لإبعادي عن طريق المصحات النفسية تحت غطاء عجزي البصري. لقد ظنا أنني مجرد امرأة ضعيفة وفقدت بصرها، فستكون لقمة سائغة في أيديهما.

ذروة الصراع في الظلام
في تلك اللحظة تحديداً، سمعت صوت فتح باب الشقة الخارجي، وخطوات حازم المترددة وهو يدخل المنزل. توترت ملامح داليا، وسارعت لتعديل رداءها وتغيير نبرة صوتها إلى اللطف المصطنع استعداداً لاستقباله وتمثيل دور الضحية أو المعاونة المخلصة.

نادى حازم بصوت عالٍ:

“داليا! سارة! أين أنتما؟”

التفتت داليا نحوي بنظرة تهديد أخيرة، وهمست بصوت حاد:

“إياكِ أن تفكري في قول كلمة واحدة تفسد علينا ما بنيناه، وإلا…”

قبل أن تكمل تهديدها، قاطعتها بصوت جهوري وثابت نابع من أعماق روحي القوية، ولم يعد فيه أي أثر للضعف:

“وإلا ماذا يا داليا؟ أتظنين أنني سأظل أسيرة صامتة في بيتي؟”

دخل حازم الغرفة على صوتنا، وبدت علامات القلق والارتباك واضحة على وجهه وهو يرى الوضع متأزماً بيننا. سارع بالقول بصوت متلعثم:

“ما الأمر؟ لماذا تتجادلان؟ ألا تستطيعان العيش بهدوء؟”

هنا نهضت من على السرير ببطء وثبات، واعتمدت على العصا الخاصة بي التي كنت أخفيها بجانبي، ووجهت كلامي مباشرة إلى حازم وأنا أقول بصوت يملؤه اليقين:

“اهدأ يا حازم… زوجك العزيز. نحن لا نتجادل، نحن فقط ننتظر حضور ضيوف آخرين.”

عقد حازم حاجبيه بدهشة وقال:

“ضيوف من؟ عن ماذا تتحدثين؟”

في تلك اللحظة، رن جرس الباب الخارجي بصوت عالٍ ومستمر، ومعه علت أصوات أقدام متعددة تقترب من الشقة، تلتها طرقات حاسمة على الباب، وصوت ضابط الشرطة ينادي:

“فتح باب الشقة بأمر النيابة… مباحث الأموال العامة والشرطة!”

تجمد حازم في مكانه، وانسحب الدم من وجه داليا تماماً، وتحولت ملامحها المغرورة إلى ذعر مطلق وهي تنظر إلى الباب المفتوح.

بداية الفجر الجديد
لم يكن العمى سوى غشاوة مؤقتة عن حقيقة ما يدور في محيطي، لكنه كشف لي زيف النفوس وطهر معدن الحق. مع دخول رجال الشرطة، وسقوط أوراق الاتهام والاختلاس وتزوير الوثائق على الطاولة أمام حازم وداليا، شعرت للمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر أن نور الحقيقة أسطع بكثير من نور الأعين.

أمسكت بيد ابنتي الصغيرة التي جاءت لترتمي في أحضاني فور دخول الضباط، وابتسمت نحو الفراغ بثقة مطلقة. انتهت عتمة الشك، وبدأت رحلة استرداد الحياة والعدالة، ولن تكسرني ظلمات الدنيا ما دام الحق يضيء طريقي.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى