قصص من الحياة

خطيبي قبل فرحنا

— والله ما أعرف. كانت بتقولي بس إن أبوكي سايب حاجة.
قلبي وقف لحظة.
— حاجة؟
— أيوه.
— قالت إيه بالظبط؟
— قالت: “عمرو ساب دليل، بس أنا معرفش فين.”
بابا كان اسمه عمرو.
اتأكدت أكتر.
قلت:
— المفتاح.
خالتي رفعت عينيها لي بسرعة.
— أي مفتاح؟
سكت.
دلوقتي أنا اللي اتوترت.
قالت:
— مريم، في مفتاح؟
قلت:
— بابا اداني مفتاح قبل ما يموت.
وشها فقد لونه.
— عندك؟
— آه.
مسكت إيدي فجأة.
— ما ترجعيش البيت.
سحبت إيدي بصدمة.
— إنتِ كمان؟
قالت:
— اسمعيني.
— ليه؟
— لأن أمك رجعت مرة البيت بعد وفاة أبوكي، ولقت مكتبه متقلب.
قلت:
— إيه؟
— درج مكسور، ورق مرمي، ودولاب مفتوح.
— ليه ماقولتش؟
— قالت إن مفيش حاجة ناقصة.
— يمكن كانوا بيدوروا على المفتاح.
خالتي سلوى سكتت.
وبعدين قالت:
— أو على اللي المفتاح بيفتحه.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
بعدها خدت قرار.
قلت:
— لازم أرجع البيت.
صرخت:
— إنتِ مجنونة؟
— لو حد هناك، يبقى لازم أعرف.
— وليه تعرضي نفسك؟
— مش هروح لوحدي.
سكتت.
أنا كمان.
لأن أول اسم جه في دماغي كان محمود.
كرهت نفسي على ده.
لكن كان الوحيد اللي فاهم اللي بيحصل.
اتصلت بيه.
رد فورًا.
— مريم؟
— تعالى خدني.
سكت ثانيتين.
— فين؟
بعتله لوكيشن البيت.
بعد حوالي عشرين دقيقة وصل.
أول ما دخل وشاف خالتي، سلم عليها باحترام.
خالتي كانت باصة له باستغراب.
قالت:
— إنت…
محمود اتوتر.
أنا قلت بسرعة:
— الموضوع طويل.
خالتي بصت لي.
قلت:
— محمود عايش.
وقعت على الكرسي.
فضلت حوالي دقيقتين مش قادرة تتكلم.
وبعدين قالت له:
— إنت موتها وهي عايشة!
محمود نزل عينه.
قال:
— عارف.
قالت:
— لأ. لو عارف، ماكنتش عملت فيها كده.
ما ردش.
قلت:
— خالتي، بعدين.
بصيت لمحمود.
— هنروح البيت.
قال:
— لأ.
— ما بدأناش.
— ومش هنبدأ.
— المفتاح هناك.
وشه اتغير.
قال:
— أكيد؟
— آه.
— فين؟
— مش هقولك.
قال بعصبية:
— مريم، إحنا بنضيع وقت.
— وأنا مش هديك كل حاجة.
سكت.
تنهد.
— تمام.
ركبنا عربيته.
طول الطريق، ما اتكلمناش.
لحد ما وصلنا الشارع.
قبل البيت بحوالي خمسين متر، محمود وقف فجأة.
— إيه؟
أشار ناحية العمارة.
— بصي.
بصيت.
باب الشقة الخارجي في الدور الأرضي كان مفتوح.
قلت:
— يمكن البواب.
قال:
— بواب العمارة بيقفل بدري.
نزل من العربية.
قلت:
— استنى.
بص لي.
— خليكِ هنا.
ضحكت بسخرية.
— ولا يمكن.
نزلت.
طلعنا السلم بهدوء.
كل ما قربنا من شقتي، قلبي كان بيخبط أكتر.
وصلنا.
الباب كان مقفول.
المفتاح دخل عادي.
فتحته.
أول ما النور اشتغل…
اتجمدت.
الشقة متقلبة.
الأدراج مفتوحة.
المخدات على الأرض.
الدولاب مفتوح.
هدومي مرمية.
قلت بصوت مخنوق:
— حد دخل.
محمود دخل بسرعة.
بص حوالين المكان.
— ما تلمسيش حاجة.
جريت على أوضتي.
— مريم!
فتحت الدولاب.
العلبة الخشب كانت موجودة.
حسيت بارتياح.
مديت إيدي.
محمود قال:
— استني.
لكن فتحتها.
كانت فاضية.
اتجمدت.
المفتاح اختفى.
قلت:
— خدوه.
محمود قرب.
— متأكدة إنه كان هنا؟
— من خمس سنين ما حركتهوش.
قعدت على طرف السرير.
كل حاجة ضاعت.
همست:
— وصلوا قبلي.
محمود بص حواليه.
— لأ.
رفعت عيني.
— إيه؟
— لو كانوا خدوا اللي عايزينه، كانوا مش هيسيبوا الشقة بالشكل ده.
— يعني إيه؟
دخل الحمام.
رجع.
دخل الصالة.
بص تحت السفرة.
وبعدين وقف.
قال:
— كانوا بيدوروا على حاجة تانية.
— المفتاح مش كفاية؟
— يمكن أخدوه، بس مش عارفين هو بتاع إيه.
سكت.
وبعدين سأل:
— أبوكي اداكي المفتاح لوحده؟
حاولت أفتكر.
— آه.
— قالك حاجة؟
— قال “هتعرفي لما تحتاجيه.”
— بس؟
هزيت راسي.
وفجأة افتكرت.
وقفت.
— لأ.
— إيه؟
— كان معاه ورقة.
محمود قرب.
— ورقة إيه؟
— صغيرة.
— فين؟
ركضت ناحية مكتبي.
فتحت درج قديم.
مفيش.
قلبته.
وبعدين افتكرت.
أنا بعد وفاة أبويا حطيت الحاجات المهمة في ألبوم صور قديم.
طلعت الألبوم.
محمود واقف بعيد.
فتحت الصفحات.
صور طفولتي.
صوري مع بابا.
أمي.
رحلات.
لحد ما وصلت لآخر صفحة.
كان فيه ظرف بني رفيع.
إيدي اترعشت.
طلعته.
مقفول.
ومكتوب عليه بخط أبويا:
“لمريم فقط.”
محمود قرب خطوة.
قلت:
— لا.
وقف.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
قرأت.
“يا مريم،
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى في احتمال كبير إني مش موجود.
المفتاح اللي اديتهولك مش لخزنة فلوس.
هو مفتاح خزانة رقم 214 في محطة قطارات رمسيس.
جواها ملف.
ما تديهش لأي حد.
خصوصًا عيلة الشاذلي.”
يدي وقفت.
رفعت عيني لمحمود.
هو شاف اسمه تقريبًا في عيني.
قال:
— إيه مكتوب؟
ما رديتش.
كملت.
“أنا اشتغلت معاهم سنين.
وعرفت حاجة ماكانش لازم أعرفها.
لو محمود الشاذلي قرب منك يومًا، ماتثقيش فيه بسهولة.
مش بالضرورة يكون شرير.
لكن عيلته عندها أسرار أكبر منه.
واللي بدأ القصة دي… مش عمه كمال.
الحقيقة أقرب بكتير.”
نفسي اتقطع.
محمود قال:
— مريم؟
كملت السطر الأخير.
“لو عايزة تعرفي مين بدأ كل ده، اسألي عن ليلة وفاة والد محمود.
واسألي أمه… عفاف.”
نزلت الورقة.
وشي كان شاحب.
محمود قرب.
— أبوكي قال إيه؟
بصيت له.
قلت:
— إن أمك عارفة البداية.
اتجمد.
— إيه؟
ناولته الورقة.
قرأ.
كل ما نزل سطر، وشه كان بيتغير.
لحد ما وصل لآخر جملة.
سكت طويل.
قلت:
— والدك مات إزاي؟
قال بسرعة:
— أزمة.
ضحكت.
— زي أبويا.
سكت.
قلت:
— إمتى؟
— من سبع سنين.
— فين؟
— في البيت.
— مين كان معاه؟
محمود ما ردش.
قلت:
— مين كان معاه يا محمود؟
رفع عينه لي.
— أمي.
الصمت ملأ الأوضة.
وبعدين حصل شيء خلانا إحنا الاتنين نلف ناحية الباب.
صوت خبط خفيف.
مرة.
مرتين.
محمود قرب من الباب.
قلت:
— مين؟
مفيش رد.
محمود فتح بسرعة.
الممر فاضي.
لكن على الأرض…
كان فيه ظرف أبيض.
محمود انحنى ورفعه.
فتحناه.
جواه صورة قديمة.
الصورة لأبويا.
واقف جنب والد محمود.
والاتنين قدام نفس محطة القطار.
وعلى ضهر الصورة مكتوب:
“الخزانة 214 مش فاضية.
لو عايزين الحقيقة…
تعالوا قبل منتصف الليل.
بس واحد فيكم مش هيرجع.”
بصيت للساعة.
كانت 10:47.
محمود قال:
— دي فخ.
قلت:
— أكيد.
سكتنا.
وبعدين بصيت للصورة.
قلت:
— بس لو الملف هناك…
قال:
— هنروح.
رفعت عيني له.
— إحنا؟
قال:
— مش هسيبك تروحي لوحدك.
ابتسمت بمرارة.
— بعد كل اللي حصل، لسه فاكر إن دي جملة تطمني؟
ما ردش.
أخدت الورقة والصورة.
قفلت الظرف.
وقلت:
— عندنا ساعة.
مشينا ناحية الباب.
لكن قبل ما نخرج، موبايل محمود رن.
رسالة صوتية.
من رقم أمه.
فتحها.
طلع صوت عفاف وهي بتعيط:
— محمود… لو مريم معاك، امنعها تروح رمسيس.
سكتت لحظة.
وبعدين صوتها ارتعش.
— لأن الراجل اللي قتل أبوها…
لسه عايش.
ومريم قابلته أكتر من مرة من غير ما تعرف.
الرسالة انتهت.
بصيت لمحمود.
وهو بص لي.
وقتها فهمنا إن محطة رمسيس ما كانتش مجرد مكان فيه ملف.
كانت المكان اللي ممكن أعرف فيه مين قتل أبويا.
ومين قتل والد محمود.
ومين خلّى محمود يمثل موته.
ومين من أول يوم…
كان قريب مني أكتر مما كنت أتخيل.
يتبع…
الساعة كانت 11:21 لما وصلنا محطة رمسيس.
المكان زحمة كعادته.
ناس بتجري تلحق قطارات.
أصوات النداءات طالعة من السماعات.
أطفال بيعيطوا.
شنط بتتجر على الأرض.
وبياعين واقفين على الجوانب.
لكن بالنسبة لي…
كل الناس كانوا مجرد وشوش.
أنا كنت شايفة حاجة واحدة بس.
رقم 214.
محمود كان ماشي جنبي، عينه بتتحرك في كل اتجاه.
قلت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى