
— نروح نتمشى شوية على النيل ونغير جو.
وافقت من غير ما تعرف إن الراجل اللي هتمسك دراعه بعد دقائق، كان بيقودها للمكان اللي اختاره عشان يحصل فيه الخلاف الكبير.
وصلوا الكوبري.
صوت العربيات كان واضح، والهوا بيعدي فوق النيل، والمية بتتحرك تحتهم، وقوارب صغيرة بتعدي من بعيد.
أحمد مسك دراع سارة وساعدها تمشي ناحية الجزء الجانبي من الممشى.
كانت ماسكة العصاية وبتحركها قدامها ببطء، تتأكد من الأرض قبل كل خطوة.
قال لها أحمد:
— خلي بالك، الأرض هنا فيها حتت مش مستوية.
ردت:
— حاضر.
فضل ماشي جنبها شوية، وبعدها بدأ يبطّأ خطواته.
كل ما يقربوا من الجزء اللي اختاره، كان قلبه يدق أسرع.
بص حواليه.
العربيات معدية على الناحية التانية، وفيه ناس على مسافات بعيدة، لكن الجزء اللي واقفين فيه كان هادي نسبيًا.
سارة وقفت لحظة.
وقالت:
— المكان هنا هادي أوي.
ابتسم أحمد وقال:
— متخافيش، أنا معاكي.
الجملة دي كان المفروض تطمنها.
لكن اللي حصل بعدها كان عكس كل كلمة قالها.
أحمد بص حواليه مرة أخيرة.
وبعدين قرب منها، وحصلت مشادة كلامية حادة بينهم، وفجأة اندفعوا واختل توازن سارة وسقطت من فوق جانب الكوبري في مية النيل، بينما أحمد تراجع برعب وخوف من رد الفعل.
أحمد فضل واقف مكانه ثواني، بيبص للمية، وكان الخوف مالي قلبه من اللي عمله.
طلع موبايله بسرعة واتصل بالنجدة وهو بيترعش:
— الحقوني! مراتي وقعت من على الكوبري! هي عمياء ومش بتشوف! كانت ماشية جنبي وفجأة اتزحلقت! حاولت أمسكها بس مقدرتش!
فضل يكرر نفس الرواية وهو حاسس بالندم والتوتر.
لكن جواه كان مرعوب من اللي حصل.
لكن أحمد ماكانش يعرف إن سارة لسه عايشة.
لحظة سقوطها، فهمت فورًا إن اللي حصل ماكانش مجرد صدفة.
هي حست بالموقف كله.
وبسبب سنين فقدانها للبصر، كانت سارة اتعلمت تعتمد على حاجات كتير غير عينيها.
كانت بتعرف اتجاه الصوت.
وتحس بحركة الهوا.
وتفرق بين أصوات الأماكن.
وفي اللحظة دي، بدأت تقاوم المية وتسبح بحذر لحد ما قدرت تمسك في طرف الضفة.
مدت إيدها، مسكت في صخرة قريبة، وبدأت تحاول تسحب نفسها بره المية.
كانت بترتعش، هدومها مبلولة، ونَفَسها متقطع، لكنها كانت حية.
وفي نفس الوقت تقريبًا، كان عم رجب، راجل في أواخر الستينات، قاعد قريب من النيل بيصطاد.
سمع صوت حركة ناحية المية، بص ناحية الضفة، وفجأة لمح سيدة مرمية قريب من الحافة.
ساب الصنارة وجري ناحيتها:
— يا مدام! سامعاني؟
سارة ماقدرتش ترد في الأول، لكنه ساعدها تطلع بعيد عن المية، واتصل بالإسعاف والشرطة.
وبعد ما بدأت تستعيد وعيها، قرب منها أحد رجال الشرطة وسألها:
— حصل إيه؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت:
— أحمد… هو اللي دفعني خلال مشادة بينا.
في الوقت نفسه، كان أحمد بيحكي نفس الرواية للشرطة.
قال إنها اتزحلقت، وإنه حاول يمسكها، وإن كل اللي حصل مجرد حادث.
لكن المحقق ما اكتفاش بكلامه، وبدأ يدور على أي كاميرات مراقبة موجودة حوالين المكان.
وبعد وقت، اكتشفوا إن فيه كاميرا مراقبة بتغطي جزء من الممشى القريب.
طلبوا التسجيل، وبدأت الصور تظهر قدامهم.
ظهر أحمد وهو ماشي جنب سارة، وحصلت المشادة بينهم، وظهر وهو بيدفعها في لحظة غضب.
وقف المحقق التسجيل وبص لأحمد.
المرة دي ماكانش محتاج يسمع روايته، والفيديو كان واضح والملابسات اتكشفت.
ومع استمرار التحقيق، بدأت تفاصيل تانية تظهر.
قبل الحادث بفترة، سارة كانت عملت وصية موثقة أوصت فيها بجزء من تركتها لصالح جهة خيرية، وباقي التركة يخضع للقواعد القانونية.
أما أحمد، فكان فاكر إن الخلافات هتنتهي بالطريقة دي، لكنه تفاجأ إن الحقيقة ظهرت كاملة بفضل الكاميرات وشهادة سارة وتحريات الشرطة.
وفي النهاية، انهارت كل خططه في ساعات.
وأحمد رجع يواجه نتيجة أفعاله بدل ما يحقق اللي كان بيطمع فيه.
أما سارة، فبعد ما خرجت من المستشفى، احتاجت وقت طويل عشان تتعافى، لكنها رجعت أقوى، وأهدى، وأكتر ثقة في نفسها.
وكان كل ما حد يسألها إزاي تجاوزت المحنة دي، كانت تقول:
— أنا فقدت بصري من سنين… بس ده علمني ألاحظ تفاصيل الناس اللي بتشوف بعينيها مش بتاخد بالها منها!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



