
“أنتي إيه من الستات؟! في أم في الدنيا مابتعرفش تأكل ابنها؟! كلي كويس واتغذي عشان ينزل له لبن!” الكلمات دي خرجت من بقي وأنا واقف في نص الصالة، وابني الرضيع بيبكي . وقتها كنت شايف نفسي راجل مضغوط، تعبان، ومقهور من الشغل والديون والمسؤولية اليومية، ومكنتش شايف إني في الحقيقة كنت بجور على أضعف بني آدم في البيت كله. آية كانت لسه والدة من 15 يوم بس، لكن شكلها كان كأنها خارجة من رحلة شاقة طويلة. البنت اللي كنت أتخانق مع الدنيا عشان ضحكتها، بقت تمشي بالعافية، وتتنفس كأن على صدرها حجر، وعينيها مليانة خوف وذنب غريب.
كانت كل شوية تبصلي وتقول بصوت ضعيف: “والله يا رامي بحاول.. والله باكل وبشرب وبعمل كل حاجة عشان اللبن ينزل، بس مش عارفة ليه جسمي ضعيف”. وأنا، بدل ما أصدقها أو أحاول أفهم أسباب ضعفها، كنت أتعصب وأقول: “أمال ليه الواد بيصرخ ليل نهار؟!”.
الحقيقة أن أمي، “الحاجة شريفة”، كانت طول الوقت تهمس في وداني بنبرة حنونة ظاهرها الخوف وباطنها السيطرة: “يا ابني آية مدلعة شوية ومابتعرفش تظبط أكلها.. الست النفاس لازم تلتزم بحمية معينة عشان جسمها مايبظش، بس هي بتاخد الموضوع بدلع”. أمي كانت عايشة معانا من قبل الولادة بأسبوعين لمساعدتنا، وبحكم إني ابنها الوحيد اللي دايمًا بيثق فيها وبيرتاح لكلامها، مكنتش بتخيل أبدًا إن التدبير المنزلي الصارم اللي فرضته ممكن يكون بيضر صحة مراتي بالشكل ده.
كل شهر كنت أديها فلوس البيت كاملة وزيادة وأقولها بحماس: “خلي آية تاكل أحسن وأكل، صحتها بالدنيا”، وكانت تبصلي بابتسامة مطمنة وتول: “اطمئن يا حبيبي، دي عايشة ملكة”.
وكنت أصدق. كنت أرجع من الشغل ألاقي أمي بتتكلم طول الوقت عن تعبها هي في إدارة البيت، وإن آية مبتساعدهاش كفاية، وفي نفس الوقت أشوف آية ساكتة طول الوقت، مطفية، حتى الضحكة اختفت من وشها الباهت. ساعات كنت أدخل المطبخ بالليل ألاقيها بتشرب مية بس، ولما أسألها عن الأكل تقول باختصار: “أكلت”. مكنتش أعرف إنها كانت بتكدب عشان ماتوقعنيش في حيرة بين أمي وبينها، ولأنها كانت خايفة تكبر المشاكل في البيت الجديد.
كنت غبي. غبي لدرجة إني لما ابني يعيط كنت أبص لمراتي بملل كأنها هي السبب الوحيد، ومفكرتش مرة واحدة إن جسمها المنهك ده مش محتاج مجرد عتاب، بل محتاج رعاية واهتمام حقيقيين.
في ليلة من الليالي، بعد ساعات طويلة من صريخ يوسف المتواصل، فقدت أعصابي تماماً وزعقت فيها بحدة. كانت قاعدة على السرير بترتعش وبتعيط بصمت غريب، وقالتلي وقتها جملة هادئة لكنها هزتني من جوايا: “أنا حاسة بضعف شديد يا رامي.. جسمي مش قادير”. لكن حتى وقتها، بسبب إرهاقي، افتكرتها بتبالغ وتستعطفني.
تاني يوم نزلت شغلي بدري، وفي نص النهار حصل عطل كبير في الإدارة وكلنا روحنا بدري على بيوتنا. وأنا راجع في الطريق حسيت بإحساس مفاجئ بالتقصير، فدخلت واشتريت لبن صناعي مستورد، وفيتامينات مقوية، وفاكهة طازجة، وكنت فرحان إني أخيرًا هفاجئ مراتي بحاجة ترفع من معنوياتها وتساعدها.
دخلت البيت لقيته هادي بطريقة غير مألوفة، باب المطبخ موارب ومفيش صوت حراك. قربت بهدوء، وهناك شوفت منظر خلاني أقف في مكاني. آية كانت قاعدة على كرسي صغير جنب الترابيزة، وبتاكل وجبة بسيطة جدًا عبارة عن طبق أرز صغير بدون أي إضافات، وكانت بتتحرك بسرعة وحذر شديد وبتبلغ ناظريها للبابه كأنها خايفة من حد يشوفها. أول ما شافتني اتخضت لدرجة أنها وقعت المعلقة من إيدها، وبسرعة حاولت تغطي الطبق بإيدها كأنها ارتكبت غلطة كبيرة.
قربت منها وبصيت للطبق بصدمة، وسألتها وأنا حاسس بغصة في ضلمة صدري: “إيه ده يا آية؟ هو ده أكل النفاس اللي أمي بتقول عليه؟!”
وقعت دموعها على خدودها وبصتلي برجاء: “أرجوك متزعجش.. الحاجة شريفة بتقول إن الأكل الدسم والخضار واللحوم الكتيرة بتضر الست النفاس وبتزود وزنها وتخليها تكسل عن رعاية البيبي.. وكانت بتخصص لي وجبات خفيفة ومحددة عشان أرجع لوزني بسرعة”.



