قصص و روايات

السر

حسيت الدنيا بتلف بيا. سألتها وأنا صوتي مخنوق: “يعني إيه؟! أنتي بتجوعي نفسك طوال الفترة دي عشان كلام تنظيم وإدارة؟!” قالت وهي بترتجف: “كنت باكل اللي بتديه لي.. وكنت بخبي عيش ناشف في الدولاب عشان أقدر أسكت جوعي بالليل لما يوسف يعيط وأنا مش قادرة أقف على رجلي”.

وأنا واقف في قمة صدمتي، سمعنا صوت الباب يتحرك. أمي رجعت من الخارج ومعاها شنط السوق. دخلت المطبخ وهي بتقول بصوتها المعتاد: “خلصتي ترتيب الشقة يا آية ولا لسه؟!” لكن أول ما شافتني واقف والطبق قدامي، وشها اتغير تماماً. للحظة ظهرت عليها علامات الارتباك، وبعدها حاولت تدارك الموقف وقالت بنبرة حاسمة: “إيه ده يا رامي واقف كده ليه؟ وبعدين آية دي مش عاجبها العجب، أنا بعمل مصلحتها عشان صحتها وشكلها قدام الناس”.

لأول مرة في حياتي بصيت لأمي من نظرة تانية خالص. بصيتلها كإنسانة ممكن تغلط في تقديرها وتفرض سيطرتها بشكل جارح. قلتلها وأنا صوتي بيترتعش من الغضب المكبوت: “إيه اللي بتقوليه ده يا أمي؟! مراتي عندها سوء تغذية وبتعاني، وأنتي مفهماني إنها بتاكل أحسن أكل!”

حاولت أمي تدافع عن نفسها وتقول إن الجيل الجديد مبيستحملش النصيحة وإن آية بالغة في رد فعلها، لكن آية فجأة اتكلمت بصوت عالي نسبيًا لأول مرة: “أنا ما بلغتش يا طنط.. أنا من يوم ما ولدت وأنا حاسة إني في معسكر مش بيت.. ابني كان بيعيط من الجوع وأنا لبني بينشف لأن جسمي فاضي تماماً من الغذاء!”

سكتت الصالة كلها. حتى يوسف سكت كأنه حاسس بجدية اللحظة. أمي بصتلي بصدمة وعتاب: “عشان كلام مراتك بتعلي صوتك عليّ أنا؟!”

بصيت لأمي وقلت بثبات لأول مرة في حياتي: “يا أمي، اللي حصل ده غلط كبير.. آية محتاجة ترتاح في بيتها بدون ضغوط، وأنا بعتذر بس لازم مراتي ترجع تاخد مكانتها الطبيعية هنا”.

بدأت أمي تبكي وتعاتبني بكلام جارح عن العقوق، لكنني كنت قد اتخذت قراري الداخلي بأنني لا يمكن أن أسمح باستمرار هذا الوضع. جمعت بهدوء ملابس أمي في شنطتها، ووصلتها بنفسي لبيت خالتي في نفس المساء، موضحًا لها بهدوء أن الوضع الحالي لا يحتمل أي شد وجذب إضافي، وأننا بحاجة لبعض الوقت لنرتب حياتنا من جديد.

رجعت البيت, لقيت آية قاعدة على الكنبة ضامة يوسف لصدرها وبتبص للأرض بخوف كأنها مستنية العاصفة تكمل. قربت منها، ونزلت على ركبي قدامها على الأرض، ومقدرتش أرفع عيني في عينها من حجم الخجل اللي حسيت بيه.

قلتلها بصوت مكسور: “سامحيني يا آية.. والله لو كنت أعرف حجم الضغط اللي كنتي عايشة فيه، مكنت سمحت لحاجة زي دي تلمس شعرة منك”.

سكتت ثواني طويلة، وبعدين انفجرت في عياط طويل ومريح، كأنها بتخرج كل خوف الشهور اللي فاتت مرة واحدة. قالت لي وهي بتلتقط نفسها: “أنا كنت حاسة إني لوحدي تماماً يا رامي.. ومحدش مصدق تعبي”.

في نفس الليلة أخدناها على المستشفى، والدكتورة كشفت عليها بحرص وأكدت فعلاً إنها بتعاني من إرهاق بدني شديد ونقص حاد في العناصر الغذائية الأساسية، وده اللي كان مسبب توقف الرضاعة بشكل مؤقت. قعدت جنبها في المستشفى الأيام دي كلها، كنت بأكلها بإيدي، وأساعدها في رعاية يوسف، وأطمنها بكل كلمة طيبة لحد ما لمعة العيون رجعت لها تدريجياً.

بعد أسبوعين، رجعت البيت وحالته النفسية والجسدية اتحسنت كتير. عادت لها ضحكتها الهادئة، وبدأ يوسف ينمو بشكل طبيعي. صحيح أمي حاولت بعد شهور ترجع العلاقة وتزود التواصل، وأنا قدرت دورها كأم بس حطيت حدود واضحة تمنع أي تدخل في تفاصيل بيتنا الشخصية.

وفي يوم من الأيام، وأنا راجع من الشغل، لقيت آية في المطبخ بتحضر الأكل وبتغني بصوت خافت ويوسف بيلعب قدامها على السجاد. وقفت لحظة على باب المطبخ أتأمل المشهد بسلام داخلي عميق.

قربت منها وبست راسها بحنان، فبصتلي باستغراب وقالت: “مالك يا رامي؟ في حاجة ولا إيه؟”

ابتسمت من قلبي وقلت لها: “كل يوم بكتشف إن ربنا أمدني بنعمة عظيمة وأنا كنت مغمض العينين.. بس الحمد لله إني فوقت قبل ما نخسر أهم حاجة بينا”.

ابتسمت هي الأخرى بصدق وقالت: “المهم إننا فهمنا بعض بجد.. وكملنا المشوار سوا”.

ومن يومها، بقيت كل ما أسمع ضحكة ابني أو نداء مراتي لي، أحمد ربنا ألف مرة على اللحظة اللي اتكشفت فيها الحقيقة، ورجعت الألفة والرحمة لبيتنا من جديد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى