قصص من الحياة

يعرض زوجته للبيع

— النصاب مش هو اللي خاف يا شريف.. النصاب هو اللي وشه اتقلب وجاب ألوان أول ما سمع اسم نادية منصور.

سابته وطلعت على بيتها. طول الليل شريف ما دخلش الأوضة، كانت سمعته وهو بيكلم محامين ومستشارين في التليفون، صوته كان عالي ومتوتر، وبيطلب أوراق قديمة لشركات ومؤسسات من 20 سنة فاتوا. منى ما نامتش، كانت ماسكة الكارت في إيدها، والاسم “نادية منصور” بيلف في دماغها. افتكرت كلام أمها زمان لما كانت بتقولها: «يا بنتي، الحق لا يضيع، بس بيحتاج وقت عشان يرجع لأصحابه».

تاني يوم، الساعة 7:45 مساءً.

منى كانت واقفة قدام المطعم الفخم اللي عادل حدده. كانت لابسة لبس بسيط، بعيد عن البهرجة اللي شريف كان بيجبرها عليها. دخلت ولقت عادل قاعد في ركن هادي، أول ما شافها وقف واحترم وجودها، كرسيها كان جاهز، والترابيزة عليها الظرف القديم.

قعدت منى، وقبل ما تنطق، عادل زق الظرف ناحيتها وقال:

— أنا عارف إن عندك أسئلة كتير.. بس قبل ما تفتحي الظرف ده، لازم تعرفي مين هي نادية منصور. نادية كانت أختي الكبيرة، الله يرحمها. ومن 25 سنة، كانت شريكة بنسبة النص في شركة مقاولات وتوريدات صغيرة مع والدك، الله يرحمه.

منى قطعت كلامه بذهول:

— والدي؟ والدي كان موظف بسيط، عمري ما عرفت إنه كان عنده شركات!

عادل ابتسم بمرارة وقال:

— والدك ماكانش موظف بسيط يا منى، والدك هو اللي تعب في الشغل ده، والصدمة دي هي اللي سببت رحيله بدري. شريف الدمنهوري ما اتجوزكيش حبًا فيكي، ولا عشان “كلامك قليل” زي ما قال في الحفلة.. شريف اتجوزك عشان يضمن إن السر يفضل مدفون.

منى حست برعشة في إيدها، فتحت الظرف القديم بالراحة. جوه الظرف كان فيه عقد شراكة أصلي بأختام قديمة، وورقة تنازل غريبة. الورقة كانت بتقول إن نصيب والد منى ونصيب نادية منصور اتقلوا لشخص واحد بعقد بيع وتنازل .. الشخص ده كان والد شريف الدمنهوري، واللي ورث الشغل كله لشريف.

عادل كمل كلامه وعينيه مليانة غضب مكتوم:

— أختي نادية اكتشفت ده قبل ما توفيت، وحاولت تاخد حقها وحق والدك، لكنهم كانوا أقوى منها وقتها. قبل ما توفيت في المستشفى، كتبت الوصية دي وسابتلي النسخة الأصلية من العقود، وقالتلي: «لو مت، دور على منى بنت الشناوي، شريف وعيلته هيحاولوا يعموا عينيها عشان ما تطالبش بورث أبوها اللي بنوا بيه إمبراطوريتهم».

منى كانت بتقرأ السطور والدموع مغرقة عينيها، مش ضعف، لكن صدمة من حجم الخديعة. 27 سنة جواز كانت فيهم مجرد “ضمانة” و”ستار”.

في اللحظة دي، تليفون منى رن. كان شريف.

منى ردت وفتحت السبيكر ببرود. صوت شريف كان مرعوب وبيترجى:

— منى.. إنتِ فين؟ أرجوكي ما تعمليش حاجة تندمي عليها. أنا مستعد أكتبلك الفيلا والعربية باسمك، وهعملك الحفلة اللي تتمنيها وأعتذرلك قدام الكل.. بس بلاش عادل منصور، الراجل ده عايز يدمرنا!

عادل منصور بص لمنى، وشاورلها على ورقة تانية كانت لسه جوه الظرف ومخرجتهاش. منى سحبت الورقة الأخيرة وقرتها، فجأة عينيها وسعت من المفاجأة، وبصت لعادل وسبابة إيدها على بوقها من الصدمة.

الورقة ماكانتش مجرد عقد قديم.. دي كانت رخصة تشغيل لأكبر أصول مؤسسة الدمنهوري الحالية، ومكتوب فيها بند صريح ومفاجئ يقلب التربيزة تمامًا على شريف في المحاكم ومن بكره الصبح.

منى فضلت باصة للورقة الأخيرة بذهول، صوابعها كانت بترتعش وهي بتقرأ الكلمات المكتوبة بخط قانوني واضح ومختومة بختم جهة رسمية قديمة. البند الصريح اللي كان مكتوب في نهاية رخصة التشغيل كان بيقول: «تؤول ملكية كافة أصول ومقرات فروع المؤسسة والشركات التابعة لها تلقائيًا وبشكل كامل لورثة الطرف الأول (الشناوي) في حال ثبت بطلان عقد التنازل المؤرخ في سنة 2000، دون الحاجة لرفع دعوى قضائية جديدة لنقل الملكية».

صوت شريف كان لسه طالع من السبيكر وهو بيلهث:

— منى! سامعاني؟ أنا بكلمك.. قوليلي إنتِ فين وأنا أجيلك حالا، إحنا عشرة 27 سنة، مش راجل غريب اللي هيوقع بينا!

منى قفلت الخط في وشه من غير ما تنطق بكلمة واحدة. حطت الموبايل على التربيزة وبصت لعادل منصور وقالت بصوت متهدج:

— يعني.. يعني كل الشركات والمباني اللي شريف بيتباهى بيها قدام مجتمع الأعمال.. كل ده بتاعي أنا؟ ملكي أنا قانونيًا؟

عادل منصور هز رأسه بوقار وثقة:

— أيوه يا مدام منى. شريف وأبوه من قبله كانوا عارفين البند ده كويس جداً، وعشان كده شريف اتجوزك بسرعة أول ما أبوه توفى، وكان طول الـ 27 سنة بيحاول يهمشك، ويهز ثقتك في نفسك، ويقنعك إنك “مكانك ورا الستار”، عشان عمرك ما تفكري تدوري وراه أو تشكي في أصل الثروة دي. هو كان مرعوب من اليوم اللي تكتشفي فيه الحقيقة.

منى سندت ضهرها على الكرسي، شريط حياتها كله بيعدي قدام عينيها. افتكرت كام مرة طلب منها توقيع على أوراق بحجة إنها إجراءات روتينية للمؤسسة الخيرية، واكتشفت دلوقتي إنه كان بيجدد العقود بيمينها وهي مش دريانة.

عادل كمل كلامه:

— المبلغ اللي أنا عرضته في المزاد الليلة اللي فاتت، الـ 40 مليون جنيه، ده كان قيمة الأرباح المحتجزة اللي المفروض كانت تدخلي حسابك من 10 سنين فاتوا بس، ده غير قيمة الأصول نفسها اللي تتعدى المليارات دلوقتي. أنا جهزت كل حاجة.. فريقي القانوني بالكامل تحت أمرك، والقضية مش هتاخد أسبوع في المحكمة الاقتصادية عشان نوقف الحسابات البنكية لشركة الدمنهوري.

منى خدت نفس عميق، ملامحها اتغيرت تمامًا، الضعف والخوف اختفوا وحل مكانهم إصرار غريب. لمت الورق كله وحطته جوه الظرف، وشالت الظرف في شنطتها وقفت:

— أنا مش هستنى أسبوع يا أستاذ عادل.. ولا هروح للمحكمة بكره الصبح.

عادل استغرب وسألها:

— أمال ناوية تعملي إيه؟

منى ابتسمت ابتسامة ثقة وقالت:

— شريف عنده بكره بالليل اجتماع مجلس إدارة طارئ عشان يطمن المستثمرين بعد الفضيحة اللي حصلت في الحفلة وعشان يداري على كلامك.. أنا هروح الاجتماع ده بنفسي، وهدخل القاعة ومعايا العقود دي.. أنا اللي هنهي المهزلة دي بإيدي وفي وسط عقر داره.

لما رجعت منى الفيلّا في وقت متأخر، لقت شريف قاعد في الصالون، الإضاءة كانت خافتة، والسجائر مالي الطفاية قدامه. أول ما شافها دخلت، وقف بسرعة وجرى عليها، عينيه كانت حمرا من قلة النوم والخوف:

— منى! كنتِ فين؟ قابلتيه؟ قالك إيه؟ أرجوكي قوليلي الظرف ده كان فيه إيه؟

منى بصتله ببرود تام، وسابته ومشيت ناحية السلم وهي بتقول بنبرة هادية رعبته أكتر من الزعيق:

— نام وارتاح يا شريف.. وراك بكره يوم طويل ومهم جداً في الشركة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى