قصص من الحياة

فلوس امي

سألته:

«يعني أمي كانت بتساعد الناس بالفلوس؟! طب ليه مقلتليش؟ وليه كانت عايشة بالشكل ده؟!».

تنهد عم رجب وقال:

«سألتها السؤال ده كتير يا ابني. كانت تقوللي إن علي بيتعب في شغله عشان يبعتلي الفلوس، وأنا مش عايزة أخليه يحس إنه مسؤول عن كل محتاج في البلد.

لو عرف، يمكن يزعل ويطلب مني أبطل، ولو طلبت منه فلوس للناس دي، يمكن يفتكر إنهم بيستغلوني.

أنا عايزة أساعدهم من غير ما أحمله هموم زيادة».

وبعدها سكت شوية، وكمل:

«بس فيه حاجة تانية لازم تعرفها، ودي اللي وجعت أمك أوي».

بصيتله وأنا حاسس إن قلبي مش قادر يستحمل أكتر.

قال لي:

«اليوم اللي إنت جيت فيه ومعاك مراتك وأهلها، أمك كانت مستنياك من الفجر. كانت مجهزة كل حاجة على قد إمكانياتها، وطلبت مني أجيب لها حاجات من السوق، وقالتلي إنها هتعملك الأكل اللي بتحبه من وإنت صغير.

لكن قبلها بيوم، أمينة جت لها وهي بتبكي، وابنها الصغير كان تعبان جدًا، والدكتور قال إن الطفل محتاج عملية عاجلة.

أمك مكنش معاها غير الفلوس اللي كانت محوشاها لمصاريف الشهر، وكانت بالفعل خصصت معظم المبلغ لمساعدة الناس.

سحبت اللي قدرت عليه، وبعتت لأمينة الفلوس عشان تلحق ابنها.

ولما جه موعد زيارتك، ملقتش معاها غير العيش اللي كان موجود والجبنة القديمة.

كانت فاكرة إنكم ممكن تتغدوا بره، أو تطلبوا أكل، وإنك مش هتحكم عليها من وجبة واحدة.

لكنها مكنتش تعرف إن الوجبة دي هتكون آخر حاجة تشوفها منك».

حسيت كأن الكلام وقف في زوري، وقلت بصوت مليان ندم:

«يعني أمي ساعدت طفل محتاج، وأنا اتهمتها بالبخل؟!».

عم رجب هز راسه بحزن وقال:

«مش بس كده يا علي. أمك كانت ممكن تستلف مني وتجيب أكل يليق بضيوفك، لكنها رفضت.

قالتلي إنها مش عايزة تستلف عشان مظهرها قدام الناس، وإن ربنا عارف نيتها.

كانت فاكرة إنك هتفهمها، وإنك هتقعد جنبها وتسمع منها، لكنها كانت غلطانة في حاجة واحدة».

بصيتله بلهفة وسألته:

«إيه هي؟».

قال:

«كانت فاكرة إنك مهما زعلت منها، مش هتقدر تقاطع أمك».

الكلام ده وجعني جدًا. أنا اللي كنت فاكر إني بعاقبها، اكتشفت إني كنت بعاقب نفسي، وإن أنا اللي حرمت نفسي من صوتها وحنانها.

رجعت للجواب تاني، وكملت قراية:

«يا علي، أنا مش زعلانة منك عشان اتكلمت معايا بعصبية، ولا عشان اتهمتني بالبخل.

أنا زعلانة عشان إنت مشيت من بيتي وأنا كنت لسه عايزة أحضنك.

كنت كل يوم أجهز الموبايل وأبص على صورتك، وأقول يمكن النهارده يرن.

ولما حد يخبط على الباب، قلبي كان يدق وأفتكر إنك رجعت.

كنت بقول للناس إنك مشغول، وإن شغلك واخدك، وإنك أكيد هتكلمني لما تفضى. مكنتش عايزة حد يقول عليك إنك نسيت أمك.

ولو إنت زعلان مني، أنا مسامحاك يا ابني قبل ما تطلب السماح.

بس عايزاك توعدني إنك متسيبش الأطفال اللي كنت بساعدهم يضيعوا. مش عشان خاطري بس، لكن عشان هما ملهمش ذنب في أي حاجة.

وخلي بالك من نفسك، وكل كويس، ومتنساش إنك مهما كبرت هتفضل ابني اللي كنت بغطّيه بالبطانية لما ينام.

أمك اللي بتحبك، روحية».

خلصت الجواب، وحطيته على صدري، وفضلت أبكي زي الطفل.

كنت بقول:

«سامحيني يا أمي! والله ما كنت أعرف! سامحيني، أنا غلطت في حقك ومش هقدر أصلح اللي حصل!».

لكن القبر كان ساكت، ومفيش صوت بيرد عليَّ.

فضلت قاعد جنبها لحد المغرب، لحد ما عم رجب قال لي:

«قوم يا ابني، ادعيلها. ربنا أرحم بيها مننا كلنا».

رجعت البيت القديم، وكنت حاسس إني داخل مكان غريب، رغم إن كل ركن فيه كان مليان ذكريات.

دخلت أوضتها، لقيت هدومها مترتبة، ونضارتها جنب السرير، وعلبة الدوا فوق الكومودينو.

فتحت الدولاب، لقيت هدوم كتير قديمة وعبايات كانت بتلبسها من سنين. مكنش عندها لبس جديد تقريبًا، رغم الفلوس اللي كنت ببعتها لها.

وفوق الرف لقيت علبة صفيح صغيرة. فتحتها، لقيت صورتي وأنا طفل، وشهادة تخرجي، وصورة ليا يوم ما سافرت، وتذكرة قديمة كانت محتفظة بيها من يوم ما وعدتها إني هرجع لها.

وتحت الصور لقيت ورقة مكتوب فيها بخطها:

«علي وعدني إنه هيرجع، وأنا مستنياه».

وقعت على ركبتي، وفضلت أمسك الورقة وأبكي.

في اللحظة دي، عرفت إن الفلوس اللي كنت ببعتها مش هي اللي كانت بتسعد أمي.

كانت مستنية مكالمة، وزيارة، وحضن، وكلمتين يطمنوها إن ابنها لسه فاكرها.

تاني يوم، رحت لأمينة، الأرملة اللي أمي كانت بتساعدها.

أول ما عرفت إني ابن الحاجة روحية، بكت وقالتلي:

«أمك دي كانت أحن واحدة في الدنيا. لما ابني دخل المستشفى عشان يعمل العملية، فضلت قاعدة معايا لحد ما الدكتور طمنا عليه.

ولما سألتها هردلها الفلوس إزاي، قالتلي: ادعي لابني، ده أغلى حاجة عندي».

ابنها اللي أمي ساعدته كان واقف جنبها، ولما عرف إني ابن الست اللي وقفت جنبهم في وقت صعب، مسك إيدي وقال:

«طنط روحية قالتلي لما أكبر أبقى راجل وأساعد غيري زيها».

ساعتها أخدت قرار عمري ما هتراجع عنه.

خصصت مبلغ شهري ثابت لمساعدة الأسر اللي أمي كانت بتصرف عليها، وسألت عن كل طفل كانت بتدفع مصاريف تعليمه، وقررت أكمل لهم تعليمهم.

ورممت البيت القديم، لكن مقدرتش أغير أوضتها، وفضلت محتفظ بكل حاجة زي ما سابتها.

أما مراتي، فلما عرفت الحقيقة، بكت هي كمان، وقالتلي:

«يا علي، أنا مكنتش زعلانة من الأكل قد ما كنت زعلانة عليك. يومها شفتك بتتكلم مع أمك بطريقة ضايقتها، وكنت مستنية منك تهدى وتتكلم معاها.

لكن مكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل للدرجة دي».

كلامها وجعني؛ لأني عرفت إن الغلط مكنش في أمي، ولا في العيش البايت، ولا في الجبنة القديمة.

الغلط كان فيَّ أنا، لما خليت شكل الضيافة أهم من قلب أمي، ولما حكمت عليها من غير ما أسمعها.

ومن يومها، بقيت كل ما أروح المقابر أقف عند قبرها وأحكيلها عن الأطفال اللي كملوا تعليمهم، وعن أمينة اللي بقت قادرة تصرف على عيالها، وعن كل بيت الخير وصل له باسمها.

وفي يوم، جبت ابني الصغير معايا، ووقفت قدام قبر جدته وقلتله:

«شايف القبر ده يا حبيبي؟ هنا مدفونة ست كانت بتساعد الناس من غير ما تستنى مقابل، وكانت بتوفر من احتياجاتها عشان طفل تاني يلاقي العلاج والتعليم.

لو عايز تتعلم معنى الغنى الحقيقي، اتعلم من جدتك».

وبعدين طلعت آخر جواب كانت كاتباهولي، وحطيته في جيبي، ومشيت وأنا عارف إن مفيش فلوس في الدنيا تقدر ترجعلي يوم واحد كنت أقدر أقضيه معاها.

أنا خسرت أمي مرتين: مرة يوم ما توفت، ومرة يوم ما قاطعتها وهي لسه عايشة.

الأولى كانت قضاء ربنا، لكن التانية كانت غلطة عمري اللي مش هقدر أنساها أبدًا.

خلي بالك من أمك وأبوك وهما لسه عايشين. اسأل عنهم، واسمعهم، واقعد معاهم، ومتخليش سوء تفاهم أو حكم متسرع يحرمك من وجودهم. لأن في يوم هتتمنى تسمع صوتهم ولو لدقيقة واحدة، ومش هتلاقي غير الذكريات.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى