
لكن مراجعة التسجيلات لم تدعم هذا الادعاء. انضمت إلى ذلك إفادات من الجيران تحدثوا عن سماع أصوات استغاثة لامرأة توقفت فجأة، فأصبح التحقيق يجمع بين الصور المسجلة، وأقوال المحيطين بالمكان، والتناقضات في حديث المتهم. واستمرت مراجعة الكاميرات القريبة لتحديد تحركاته بعد دخول سالي. تبين أنه خرج من الشقة عند السادسة وتسع دقائق مساء، وعاد عند السابعة وثماني دقائق. ثم بقي داخلها فترة طويلة، حتى العاشرة وست دقائق من صباح اليوم التالي.
ساعد هذا التسلسل الزمني على ترتيب الأحداث، وربط ما ظهر خارج الشقة بما كانت التحقيقات تحاول كشفه داخلها. وفي الصباح، بحسب ما أوردته الرواية، سجلت الكاميرات خروجه وعودته عدة مرات، وانتقاله إلى مواقع متفرقة بعيدة عن الشقة للتخلص من أكياس. أصبحت تلك التحركات جزءًا من مسار البحث، وحاولت الجهات المختصة معرفة ما ارتبط بها. لكن مرور الوقت قبل اكتمال إجراءات البحث جعل الوصول إلى ما نُقل من تلك المواقع أمرًا بالغ الصعوبة.
بحسب الرواية، كانت الحاويات قد أُفرغت، ونُقلت محتوياتها ضمن أعمال جمع المخلفات ومعالجتها. لذلك، تعذر العثور على جثمان سالي، رغم الجهود المبذولة لتتبع ما جرى. كان هذا الغياب مؤلمًا للأسرة، كما جعل التحقيق يعتمد على تجميع الأدلة الأخرى، بدلًا من انتظار دليل لم يعد العثور عليه ممكنًا في المسار الذي تتبعته الجهات المختصة.
ومع تعمق التحقيق، بدأت الصورة التي قدمها الشاب عن نفسه تتغير بالكامل. اسمه الحقيقي، وفق ما كشفته التحقيقات، أمجد محسن محمد، وهو عراقي يبلغ نحو الثلاثين، ويحمل شهادة جامعية في العلاج الطبيعي. كان يتقن خمس لغات، لكن الاسم والعمر والأصل التي عرفته بها سالي لم تكن مطابقة لهويته الحقيقية. كما تبين أنه متزوج في العراق ولديه ثلاثة أطفال.
كشفت التحقيقات أيضًا عن قضايا مرتبطة بملاحقة فتيات وابتزازهن في تركيا، وعن تجهيز وثائق غير صحيحة بهدف السفر إلى بلغاريا. وهكذا، لم يعد الأمر متعلقًا بتناقض في رواية لقاء واحد، بل بمجموعة من المعلومات التي أخفاها، وصورة مختلفة عن حياته وعلاقاته وتحركاته. دخلت فرق الأدلة الجنائية الشقة، وأجرت فحوصها رغم محاولات تنظيف المكان وإخفاء آثاره. عثرت على أدلة بيولوجية مرتبطة بالواقعة، إلى جانب حقيبة وجوارب تعود إلى سالي.
كانت هذه المتعلقات مهمة لأنها ربطت الشابة بالمكان، وأضافت إلى تسجيلات دخولها عناصر مادية يمكن فحصها ومقارنتها ببقية ما جمعه المحققون خلال البحث. وتناولت الرواية محاولات أمجد الاستفادة من خلفيته الطبية لإخفاء آثار ما حدث داخل الشقة. غير أن الفحص الجنائي كشف أدلة بقيت رغم تلك المحاولات. أصبحت القضية قائمة على مجموعة مترابطة من القرائن: آخر موقع للهاتف، وتسجيلات الكاميرات، والمتعلقات الشخصية، ونتائج الفحوص، والتغير المتكرر في أقوال المتهم منذ بداية السؤال عن سالي.
لكن الحكم لم يكن نهاية كل الأسئلة المرتبطة به. فقد دفعت محاولاته لإخفاء ما حدث الشرطة إلى مراجعة ملفات أخرى، بينها بلاغات اختفاء وقضايا لم تُعرف هويات المسؤولين عنها. ومن بين الملفات التي أُعيد النظر فيها، ظهر اسم الطالبة التركية أمينة أوزكايا. كانت تدرس في بولندا، ثم اختفت عام 2018 أثناء زيارة إلى إسطنبول.
مضت سنوات على غيابها، وبقي ملفها يحمل أسئلة لم تجد إجابات. ومع مراجعة علاقاتها وتحركاتها، ظهر خيط يصل بينها وبين أمجد، ويعيد توجيه الاهتمام إلى مرحلة سابقة من حياته. تبين، بحسب التحقيقات الواردة في الرواية، أن أمجد حجز لها تذاكر سفر باسمه، وتواصل معها بدعوى تقديم دورات لتعليم اللغة الإنجليزية. أصبح استخدامه للغات وسيلة لفهم طريقة تعارفه مع بعض الفتيات.
وما بدا في البداية عرضًا تعليميًا أخذ أهمية مختلفة، بعدما وُضعت تلك المعلومات إلى جانب ما كشفته قضية سالي عن هويته وتصرفاته. توجهت فرق التحقيق إلى شقة أرضية كان يقيم فيها عام 2018. لم يكن هو ساكنها وقت الفحص، فقد تناوب عليها ثلاثة مستأجرين خلال السنوات التالية. ومع ذلك، قررت السلطات فحص المكان بعناية، ونزعت أرضية الخشب، المعروفة بالباركيه، للوصول إلى الطبقات الموجودة تحتها، والبحث عن أدلة ربما ظلت بعيدة عن الفحص الظاهري للشقة.
أسفرت الفحوص عن العثور على آثار بيولوجية قديمة أسفل الأرضية، وكشفت التحاليل أنها تعود إلى خمسة رجال وامرأة. كان هذا الاكتشاف نقطة تحول في التحقيق، لأنه فتح أسئلة تتجاوز اختفاء طالبة واحدة. أصبح على الجهات المختصة تحديد أصحاب تلك العينات، ومعرفة الظروف التي وصلت فيها إلى المكان، وصلتها بمن كان يقيم فيه سابقًا. وأكدت التحليلات أن العينات النسائية تعود إلى أمينة، كما أظهرت وجود عينات تخص أمجد نفسه ضمن الآثار التي خضعت للفحص.
عزز ذلك الصلة بينه وبين الشقة وملف الطالبة المختفية، ووسع نطاق البحث في الوقائع المحتملة داخل المكان. أما وجود عينات لأشخاص آخرين، فقد استدعى مواصلة التحقيق لتحديد هوياتهم وفهم ما حدث لهم. وكان العثور على آثار تحت الباركيه مهمًا بسبب السنوات التي مرت وتغير سكان الشقة. فقد بقيت تلك الآثار في طبقة لا تظهر أثناء الاستخدام اليومي للمكان، ثم أصبحت قابلة للفحص عندما وصلت إليها الفرق المختصة.
ربطت نتائج التحاليل بين ملف قديم وتحقيق أحدث، وأعطت البحث اتجاهًا جديدًا، بينما بقي تحديد بقية الأشخاص خطوة ضرورية لفهم حدود القضية وما يمكن إثباته بالأدلة. وألقت السلطات على شقيق أمجد وأحد أصدقائه للاشتباه في تورطهما بمحاولة مساعدته على الهرب. ظلت التحقيقات تتجه إلى كشف بقية الهويات والصلات بين الملفات.
وهكذا، امتدت قضية بدأت بقلق أسرة على ابنتها إلى مراجعة سنوات من والتنقلات، بعدما قادت كاميرات المراقبة إلى شقة، وقادت الشقة إلى اسم حقيقي، ثم إلى أدلة بقيت تحت أرضية منزل قديم




