قصص و روايات

حشرة غريبه

دخلت المطبخ بهدوء، وهناك شوفت المشهد اللي كسرني؛ آية كانت قاعدة على الأرض ورا الترابيزة، وبتاكل بسرعة من طبق قديم وهي بتبص ناحية الباب بخوف. أول ما شافتني اتخضت وخبت الطبق، ولما شديته من إيدها شوفت المحتوى: رز بايت، وبواقي أكل قديمة.

الحقيقة المرة
بصيتلها مصدوم، وهي وقعت على ركبها تبكي وتَقُول: “أرجوك متقولش للحاجة شريفة.. كنت محرومة من الأكل”. حسيت الدنيا بتلف بيا، وسألتها وأنا مخنوق: “يعني إيه؟!”، فقالت وهي بترتعش: “حماتك كانت بتديني المتبقي من الأكل بعد ما الكل يخلص، وتقوللي الست النفاس مينفعش تاكل كتير عشان صحتها”.

ساعتها حسيت بغصة شديدة؛ مراتي اللي المفروض أحميها كانت بتخاف تأكل، وأنا السبب لعدم انتباهي! وأنا واقف مصدوم، سمعنا صوت الباب؛ أمي رجعت ودخلت المطبخ وهي بتقول بصوتها العالي: “خلصتي شغل البيت يا هانم؟!”. لكن أول ما شافتني واقف والطبق في إيدي، وشها اتغير، وبعدها بسرعة قالت بعصبية: “إيه اللي جابك بدري.. إيه ده؟!

لأول مرة في حياتي بصيت لأمي بنظرة مختلفة، وقلتلها وأنا صوتي بيرتعش: “إيه ده يا أمي؟! مراتي مش بتاكل كويس بالشكل ده ليه؟!الت قامت زعقت وقالتلي: “هي قالتلك إيه؟! دي كدابة وبتتمسكن”. لكن آية فجأة انفجرت ولأول مرة ترفع صوتها، وقالت وهي بتعيط: “أنا تعبت! والله تعبت! من يوم ما ولدت وأنا محرومة! ابني كان بيعيط من الجوع وأنا صدري ناشف عشان جسمي مفيهوش طاقة!”.

طرد الأذى ومراجعة النفس
وأنا كنت واقف سامع الكلام كأنه سكاكين بتتغرس في صدري. أمي حاولت تقاطعها وتزعق، لكني لأول مرة زعقت أنا: “اسكتي!”. البيت كله سكت، حتى يوسف بطل عياط. أمي بصتلي بصدمة وقالت وهي تبكي: “عشان مراتي هتعلي صوتك على أمك؟!”. قلتلها وأنا ببص لآية: “دي مراتي.. أم ابني.. والبني آدم الوحيد اللي كان محتاجني وأنا قصرت في حقه”.

أمي بدأت تصرخ، لكني مكنتش سامع؛ كل اللي كنت شايفه هو جسم مراتي المرتعش. دخلت أوضتنا، جبت شنطة أمي، وحطيت فيها هدومها وأنا بقولها بهدوء: “إنتِ هتمشي دلوقتي”. صرخت وقالت: “هتطرد أمك؟!”، قلت: “أنا بحافظ على بيتي”. ونزلتها بالعربية عند خالتي ورجعت البيت.

الاعتذار والبداية الجديدة
أول ما دخلت لقيت آية قاعدة على الكنبة ضامة يوسف وبتبص للأرض كأنها مستنية عقاب. قربت منها وقعدت على الأرض قدامها، ومقدرتش أرفع عيني في عينها وقلتلها بصوت مكسور: “سامحيني”. سكتت، قلت: “والله لو أعرف إنك بتمرّي بالضغط ده كنت عملت المستحيل عشان أريحك”.

فضلت ساكتة ثواني، وبعدها انفجرت في العياط؛ وقالتلي: “أنا كنت أتمنى حد يسمعني..”. أخدتها وروحت بيها المستشفى في نفس الليلة، والدكتورة أول ما كشفت عليها قالت إنها تعاني من إرهاق حاد وسوء تغذية، وإن جسمها منهك جداً. يومها قعدت جنبها في المستشفى 3 أيام، بأكلها بإيدي، وأساعدها في كل حاجة.

بعد أسبوعين بدأت ترجع للحياة؛ خدودها رجع فيها اللون، وضحكتها رجعت، ويوسف بدأ يهدى. لكن أنا عمري ما نسيت، وبقيت كل ما أشوفها نايمة أفتكر اللي حصل. بعد شهور، أمي حاولت ترجع، لكني كنت فاهم إن الأمان هو الأساس؛ سامحتها، لكن عمري ما رجعتها تعيش معانا تاني.

أما آية، ففي يوم وأنا راجع من الشغل لقيتها بتحضر الأكل وهي بتغني، ويوسف بيلعب على الأرض. وقفت أبص عليهم من بعيد، وقربت منها وبست راسها فبصتلي باستغراب وقالت: “مالك؟”، قلتلها: “كل يوم بكتشف إن ربنا إداني نعمة وأنا كنت غافل”. ابتسمت وقالت: “المهم إننا فهمنا بعض قبل ما نخسر بعض”.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى