قصص من الحياة

كان كل يوم

كل يوم كان… مكانش بيكتفي بكده، بيضغط عليا بكل الطرق عشان يوصل للي عايزه: “هفضل أحملك المسئولية لحد ما تجيبيلي ولد!”. بعدها حسيت بضيق شديد، إرهاق تام، وغياب عن الوعي. لما وصلت المستشفى، حاول يبرر اللي حصل ويقول إنها مجرد حوادث منزلية بسبب الإرهاق. لكن الدكتورة بصت على الفحوصات، وقالتله بصوت جامد خلى الجو يبرد حواليه:

 

“هي تعاني من إنهاك جسدي وعصبي بالغ نتيجة ضغوط مستمرة أثرت على صحتها العامة… وفي حاجة مهمة لازم نعرفها… إحنا اكتشفنا طبياً أنها كانت قادرة على الإنجاب، لكن ظروف الضغط النفسي الشديد والعزلة هي التي كانت تشكل عائقاً مستمراً.”

نور الغرفة كان كاشف كل حاجة، ومفيش مكان يستخبى فيه ورا الأعذار. إيدي كانت ماسكة سور السرير بعصبية، وجهاز النبض شغال بصوته المنتظم جنبي. الدكتورة ما نزلتش التقارير من إيدها، وبصتلي كأنها مستنية أي حركة تثبت إني سامعاها.

جوزي، حسام، قرب بسرعة وقال قبل ما أفتح عيني: “هي بتهلوس من التعب… الحمل والضغوط أثروا عليها.”

الدكتورة بصتله وقالت بحزم: “لو سمحت ابعد شوية.” وبعدين نادتني باسمي: “يا ندى… سامعاني؟”

فتح عيني كان أصعب من أي حاجة. حلقي كان ناشف، وكل نفس بحاول آخده كان بيوجعني بسبب الإرهاق والضمادات اللي مغطية جسمي. بصيت للدكتورة وسيبت حسام واقف بعيد. سألتني سؤال واحد: “اللي حصل ده… كان بسبب إهمال أو ضغط خارجي؟”

حسام مسك إيدي، بس مش بحنان… ضغط على صوابعي جامد كأنه بيحذرني من غير كلام. سحبت إيدي منه، وطلعت الكلمة بالعافية: “لأ.”

حسام ضحك ضحكة متوترة وقال للدكتورة: “دي بقت عصبية من ساعة موضوع الحمل… مابقيتش في وعيها من كتر التوتر.” كان بيتكلم بنفس الهدوء اللي كان بيستخدمه قدام الناس… الهدوء اللي كان بيغطي بيه على تحكمه المستمر.

الدكتورة بصت على التقارير، وبعدين سألتني بهدوء: “إيه اللي حصل فعلاً؟” كنت سامعة نفس حسام وهو واقف جنبي… وافتكرت كل مرة كان يقنعني إن العيب فيا… مرة يقول الأكل، ومرة التوتر، ومرة جسمي اللي مش مستحمل. فضل يكرر الكلام سنين… لحد ما صدقته.

قلت وأنا بالعافية: “هو اللي كان بيفرض عليّ العزلة والضغط النفسي المستمر… وبيحملني مسؤولية كل حاجة.”

الكرسي اتحرك جامد ورا حسام. بدأ يزعق ويقول إني بكذب، وإني السبب في كل المشاكل، وإن هو اللي جابني المستشفى… كأن ده يمسح سنين الضغط والتحكم. الممرضة وقفت بينه وبين أول ما حاول يقرب مني تاني. وقفت قدامه ومنعته تخليه يضغط عليا، وقالتله يقف عند الباب. وقتها شوفته لأول مرة حاسس إن السيطرة بدأت تفلت من إيده.

حاول يخوفني بالطريقة اللي كان بينجح بيها كل مرة، وقال بصوت واطي: “إنتِ معاكيش فلوس… ولا عندك مكان تروحي له.” الجملة دي كانت طول السنين بتكسرني أكتر من أي حاجة؛ كان ماسك كل الأمور المادية، ومخليني معزولة عن العالم، حتى موبايلي كان بيرد عليه هو، ولما أختي الكبيرة فضلت تواصلت معايا زمان، قطع الاتصال وقطع كل خيوط التواصل مع أهلي.

الدكتورة سألتني: “في حد نقدر نكلمه؟ حد تثقي فيه؟” حسام رد بسرعة قبلي: “لأ… ملهاش حد.”

لكن كان فيه رقم واحد عمري ما نسيته. قلت الرقم للممرضة من حفظي. أول ما بدأت تطلبه، حسام جري ناحية التليفون عشان يمنعها… لكنها لفت جسمها بعيد عنه وكملت الاتصال. وقبل ما يقدر يوقفها، الخط بدأ يرن.

الصوت وهو بينتظر الرد في السماعة كان أعلى صوت في الغرفة، وحسام كان واقف مكانه عروقه بارزة من الغضب. وبعد ثوانٍ معدودة، جه الصوت من الناحية التانية ملهوف، صوت أختي الكبيرة الدافئ. أول ما سمعت صوتها، دمعة نزلت غصب عني، وطلعت الكلمات بالعافية: “الحقيني يا أختي… أنا في المستشفى…”

وقبل ما أقدر أقول أكتر من كده، حاول يمنع الممرضة من إكمال الاتصال، بس الأمن كان سبق ودخل بناءً على إشارة من الدكتورة. في ثواني كان أمن المستشفى محاوطينه، وهو بيحاول يبرر موقفه: “دي مراتي! أنتوا بتتدخلوا ليه؟”

الدكتورة بصت له بنظرة حاسمة وقالت بصوت قوي: “دي مش مجرد خلافات أسرية يا أستاذ… المستشفيات مرتبطة بجهات الدعم والجهات المختصة في حالات الابتزاز والضغط النفسي الشديد، والشرطة في الطريق.”

الكلمة نزلت عليه، وشّه اللي كان دايماً ماليان ثقة عمياء اتحول فجأة لشاحب ومرعوب. بقى يبصلي نظرة توسل خفية، كأنه بيفكرني بالجملة القديمة: “معاكيش فلوس ولا مكان تروحي له”، كأنه بيترجاني أسكت وأنقذه زي كل مرة. بس أنا ما نزلتش عيني من عليه. لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن الخيط اللي كان رابطني به وساحب روحي اتشَد وانقطع للأبد.

مضت ساعة، كانت أشبه بالحلم. أختي وصلت المستشفى ومعاها والدي اللي أول ما شافني بالمنظر ده، حضنني وهو بيقسم إنه هيرجّع لي حقي بالقانون، وإن الأيام اللي كنت فيها لوحدي انتهت بلا رجعة.

حسام أُلقي القبض عليه أثناء خروجي، والتقارير الطبية والنفسية الرسمية من الدكتورة والمعامل اتجهت للجهات المختصة كدليل دامغ؛ ليس فقط بسبب الأضرار الناتجة عن الإهمال والضغط، بل أيضاً بسبب الاحتجاز والابتزاز النفسي الممنهج.

مرت أسابيع العلاج الطويلة وسط التحقيقات، وكل يوم في المستشفى كان بيعلمني إزاي أسترد قوتي وجزء من روحي اللي سرقها الخوف. وفي يوم خروجي، الشمس كانت غارقة في السما بضي دافئ يعوضني عن ظلمة السنين اللي فاتت. وقفت قدام مرايا الغرفة أخيرًا، بصيت لعيوني ولقيت فيها لمعة القوة والصمود اللي كنت فاكراها ضاعت للأبد.

أختي مسكت إيدي بحنان وهي بتساعدني أخطو أول خطوة لبرا باب المستشفى، وقالت لي بصوت مليان أمل: “يلا يا بطلة… بينا على بيتنا الحقيقي، المكان اللي يليق بيكي وبقوتك الجديدة.”

ركبت العربية جنبهم، وبصيت من الشباك للشارع الواسع وأنا حاسة بنسمة هوا خفيفة، ومتأكدة إن اللي جاي كله هيكون ميلاد جديد لندى حقيقية، قوية، وما حدش هيقدر يكسرها تاني أبدًا.

ملاحظة توعوية من الكاتب:
العزلة والابتزاز النفسي والضغط الممنهج داخل العلاقات أشكال من الإيذاء الذي لا يجب السكوت عليه. الدعم النفسي، والتواصل مع الأسرة، واللجوء للجهات المختصة وخطوط الدعم الأسري والقانوني هي طوق النجاة الأول لكل شخص يعاني في بيئة غير آمنة. (هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى