
وقفت مكاني، الورقة وقعت من إيدي.. الصوت اللي كنت فاكره قفلة باب الأوضة، طلع قفلة باب حياتي معاها. الشقة اللي كانت مليانة بحسها، فجأة بقت واسعة وكبيرة وموحشة بشكل يجنن. حسيت لأول مرة إني مش بس خسرت مراتي.. أنا خسرت “الراجل” اللي كان جوايا، والبيت اللي بنيته راح في لحظة غيظ، ودلوقتي مفيش قدامي غير صدى صوتي وأنا بنده عليها في شقة بقت مجرد حيطان ميتة.
كنت لسه بفك كرافتتي وبحاول أطرد تفكيري فيها، لقيت جرس الباب بيضرب.. خبطات قوية ومستمرة، مش خبط حد عايز يدخل، ده خبط حد جاي يفتح تحقيق. فتحت الباب، لقيت أمين شرطة ومعاه عسكري، وملامحهم تقفل وتخوف.
أمين الشرطة بصلي من فوق لتحت بنظرة تقشعر البدن، وقبل ما أنطق سألني: “أنت مراد؟”. هزيت راسي بالإيجاب، لسه الكلام واقف في زوري. كمل ببرود وهو بيطلع ورقة من جيبه: “مراتك عملت محضر إثبات حالة في القسم من ساعة، ومعاها إثباتات رسمية بالضغط والإهانة الموجهة لها، وقالت إنك كنت موجود وسمحت لأهلك بالاعتداء اللفظي والنفسي عليها، ومحرر ضدك أنت ووالدتك وأختك محضر إهانة وضرر نفسي جسيم”.
حسيت الدنيا بتلف بيا، الكلمة خبطت في دماغي كأنها رصاصة. كمل الأمين وهو بيوريني الورقة: “أنا جاي أبلغك بضرورة الحضور للقسم دلوقتي، والموضوع مش مجرد خناقة عادية.. ده إخلال جسيم بحقوق الزوجية وتعريض حياة ومشاعر إنسانة للضرر”.
سكتّ تماماً، الكلمات اتجمدت في حلقي. أمي وأختي اللي كانوا من شوية بيحرضوني، دلوقتي بقوا متهمين في قضية ممكن تودينا كلنا في داهية. بصيت لأمين الشرطة، وبدأت أدرك حجم الكارثة اللي أنا شاركت فيها بسكوتي، وبصمتي، وبإحساسي بالرجولة اللي طلع في الآخر مجرد “استقواء” على واحدة مكسورة.. ولقيت نفسي قدام خيارين: يا إما أواجه اللي عملته، يا إما أشوف بيتي وأهلي بيتهدوا فوق دماغي بسبب لحظة غيظ، وبسبب اللي هي دلوقتي بقت بتعرف تاخد حقها بيه.. بالقانون.
ركبت العربية، وأمي وأختي ورايا، الدنيا كانت ساكتة تماماً في العربية، صوت النفس المكتوم هو الوحيد اللي مسموع. أمي كانت لسه بتبرطم وبتقول: “دي واحدة قليلة الأدب، ماتخافش يا مراد، ده محضر هيتلم في دقيقة بكلمتين”، لكن نبرة صوتها كانت مهزوزة، والمرة دي الخوف كان مالي عيونها هي كمان.
وصلنا القسم، ريحة المكان كانت تخنق، ريحة خوف على ريحة قهوة على ريحة تحقيق. دخلنا، وأول ما عيني وقعت عليها، قلبي وقع في رجلي. كانت قاعدة على كرسي خشبي، ملامحها هادية بشكل يرعب، كانت بتكلم المحامي بتاعها بهدوء، ولا كأنها الست اللي كانت من ساعتين مكسورة ومقهورة في الصالة عندي.
أول ما شافتني، بصتلي نظرة.. نظرة تخليك تترحمن على كرامتك. مافيش دموع، مافيش استنجاد، كانت نظرة “نهاية”. أمي حاولت تفتح بوقها وتزعق، بس الظابط قطعها بصوت جهوري: “اسكتوا خالص، هنا قانون مش خناقة حواري”.
قعدنا قدام الظابط، وبدأ التحقيق. كل سؤال كان بيتسأل كان بيحطنا في زاوية أضيق من اللي قبلها. الإثباتات والشهادات كانت واضحة ومفصلة، بتوثق حالة القهر والإهانة اللي اتعرضتلها، وأمي وأختي بدأوا يتناقضوا في كلامهم، وأنا.. أنا كنت قاعد مذهول من حالنا. كنا داخلين القسم كأننا “أصحاب حق” وداخلين نربيها، وخرجنا.. أو بالأحرى، بقينا في وضع “المتهمين” اللي حياتهم بتتحطم قدام عيونهم.
أنا قاعد باصص للأرض، سامع أمي وهي بتبكي وبتقول للظابط “دي مرات ابني”، وسامع مراتي وهي بترد بصوت ثابت زي الحديد: “ومعايا إثباتات تثبت إنهم دمروا نفسي وحاولوا يكسروني، ومراد.. مراد كان واقف بيتفرج”.
في اللحظة دي، عرفت إن اللي اتكسر مش بس كرامتها، ده بيتي، وحياتي، وعلاقتي بيهم، وحتى رجولتي اللي ضاعت مني وأنا واقف متفرج.
لقيتها بصت لأمي وأختي وقالت بمنتهى الجبروت: عارفين كان سبب الخناقة دي إيه؟
يا ترى سبب الخناقة اللي وصلتهم لكده إيه؟
الجو في المكتب كان تقيل ومكتوم، الظابط كان بيبص لنا باستغراب، وفجأة الصمت اتكسر بصوتها.. صوت كان هادي لكنه كان أقوى من الرعد.
بصت للظابط، وبعدين نقلت عينيها لأمي وأختي اللي كانوا لسه بيحاولوا يمثلوا دور “الناس اللي بتجيب حق ابنهم”، وقالت بنبرة فيها مرارة الدنيا: “عايزين تعرفوا سبب الخناقة اللي خلتهم يتهجموا عليا؟ أنا أقولكم”.
سكتت لحظة، كأنها بتجمع قوتها، والكل في المكتب اتسمر مكانه. كملت وهي بتبصلي مباشرة، نظرة خلت الدم يهرب من وشي: “البيه المحترم اللي واقف ده، اللي أهله جايين يربوني عشان ‘عليت صوتي عليه’، هو أصلاً اللي بدأ. أنا اكتشفت إنه بيخوني، ولقيته بيكلم واحدة تانية.. مواعيد، ورسايل، وكلام ميتسكتش عليه”.
أمي وأختي اتصدموا، وبدأوا يبصوا لبعض بتوتر، بس هي ما ادتهمش فرصة يتنفسوا. كملت وهي بتشاور بإيدها ناحيتنا: “وبدل ما تعقلوه، وبدل ما تقولوا له ‘عيب يا ابني دي أمانة في بيتك’، طلعتوا وبكل بجاحة تتدخلوا وتجرحوني، عشان إيه؟ عشان دافعت عن كرامتي اللي هو داس عليها بخيانته؟”.
حسيت بالأرض بتضيق عليا، أمي حاولت تبرر وتتهته في الكلام، بس كلام مراتي كان زي الرصاص اللي بيصيب في مقتل. الهروب اللي كنت بحاول أعمله من الحقيقة انكشف، والبيت اللي كنت فاكر إني مسيطر فيه، بقى كتاب مفتوح قدام الظابط، وقدام أهلي، وقدام مراتي اللي قررت أخيراً إنها مش هتسكت على دور الضحية اللي كنت راسمهولها.



