قصص من الحياة

يخت وسط البحر

ولما اتعرض عليهم المقطع أثناء التحقيق، اختفت كل محاولات الضحك والإنكار.

آدم بصّ للأرض.

وكريم بدأ يعيط.

المحقق سأله:

إنتوا كنتوا عارفين إنها ممكن تتعرض لخطر كبير؟

ماحدش رد.

كرر السؤال، لكن الصمت فضل مسيطر على الغرفة.

لأول مرة، ماكانش فيه أب غني يقدر يتدخل في اللحظة دي، ولا صاحب يضحك على النكتة، ولا زملاء يصفقوا لهم.

كان فيه تسجيل، وشهود، وتحقيق رسمي، وأسئلة لازم يتجاوب عنها.

الفصل التاسع: المواجهة الأخيرة

بعد خروج مريم من المستشفى، رجعت الجامعة علشان تجمع أوراقها وتبدأ إجراءات نقل دراستها إلى مدينة تانية.

كانت أمها ماشية جنبها، ماسكة إيدها، وكل خطوة ناحية مبنى الجامعة كانت بتفكرها باللي حصل.

لكن مريم ماكانتش نفس البنت اللي خرجت من المكان ده قبل أسابيع وهي خايفة من تعليقات زملائها.

كانت لسه بتتعافى، ولسه فيه لحظات بتفتكر فيها صوت الميه وصراخها وسط البحر، لكن جواها اتولد إحساس جديد.

إنها مش مضطرة تسكت علشان ترضي حد.

وإن كرامتها مش أقل قيمة من مستقبلها الدراسي.

عند بوابة المبنى، قابلتها زميلة كانت معاها في المحاضرات، لكنها عمرها ما دافعت عنها لما كانت بتتعرض للإهانة.

البنت قربت منها بتردد وقالت:

مريم أنا عايزة أعتذر لك.

مريم بصّت لها في هدوء.

البنت كملت:

أنا شفت اللي كانوا بيعملوه فيكي، وكنت عارفة إنهم بيضايقوكي. بس كنت بخاف أتكلم، علشان آدم كان ممكن يأذيني أنا كمان. ولما شفت الفيديو، حسيت إني شاركت في اللي حصل بسكوتي.

مريم فضلت ساكتة لحظة.

وبعدين قالت:

أنا مش هقدر ألوم كل حد خاف. بس أتمنى إن اللي حصل لي يخلّيكم ما تسكتوش لما تشوفوا حد بيتأذى قدامكم.

البنت هزّت رأسها وهي بتعيط:

مش هسكت تاني.

مريم شكرتها، وبعدها دخلت علشان تخلّص أوراقها.

وقبل ما تخرج، قابلت أحد أعضاء إدارة الجامعة، اللي أخبرها إن الجامعة بدأت إجراءات تأديبية ضد آدم وكريم، وإنها هتتعاون مع الجهات المختصة في التحقيق.

تم اتخاذ قرار بفصلهما من الجامعة بعد التحقيق التأديبي، بينما استمرت الإجراءات القانونية لتحديد المسؤولية عن اللي حصل.

ولأول مرة، بدأت مريم تشعر إن صوتها اتسمع.

لكنها كانت عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن استرداد إحساسها بالأمان هيحتاج وقتًا.

لما خرجت من البوابة، أمها سألتها:

خلاص يا حبيبتي؟

مريم بصّت للمبنى للمرة الأخيرة:

أيوه يا ماما. أنا مش عايزة أفضل هنا. هكمّل دراستي في مكان تاني، وأبدأ من جديد.

سعاد حضنتها:

وأنا معاكي في أي مكان تروحيه.

مريم ابتسمت، وكانت ابتسامتها مختلفة عن كل المرات اللي فاتت.

المرة دي، ماكانتش بتحاول تخبي وجعها.

كانت بتبدأ تتعافى منه.

الفصل العاشر: السؤال اللي ماكانش له إجابة سهلة

قبل سفر مريم بأيام، قابلها أحد زملائها في الجامعة، وكان من الطلبة اللي تابعوا البث المباشر وحاولوا يساعدوا في تحديد مكان اليخت.

وقف قدامها وقال:

مريم، ممكن أسألك سؤال؟

ردّت:

اتفضل.

قال بتردد:

إنتِ ممكن تسامحيهم في يوم من الأيام؟

السؤال رجّعها بذاكرتها للحظات اللي كانت فيها تحت الميه، وهي مش عارفة إذا كانت هتشوف أمها تاني.

افتكرت الضحك، والإهانة، واللحظة اللي اختفى فيها الحبل من إيديهم، والوقت اللي قضته في المستشفى.

سكتت شوية، وبعدها قالت:

مش عارفة. يمكن في يوم أقدر أبصّ للي حصل من غير ما يوجعني. لكن أنا مش مطالبة إني أنسى علشان الناس ترتاح.

الطالب هزّ رأسه، وهي كملت:

أنا مش عايزة أقضي عمري أكرههم. ده وقتي وحياتي، ومش هسيبهم ياخدوا مني أكتر من اللي أخدوه بالفعل. لكن ده مش معناه إنهم ما يتحاسبوش.

سألها:

يعني مش هتتنازلي عن حقك؟

مريم بصّت له مباشرة وقالت:

لأ. علشان لو سكتّ، ممكن يعملوا في بنت تانية اللي عملوه فيا. أنا مش هقدر أتحكم في كل حاجة بتحصل في الدنيا، لكن أقدر أرفض إني أكون سبب في إن حد تاني يتأذى بنفس الطريقة.

الكلمات دي ماكانتش انتقامًا، لكنها كانت قرارًا واضحًا.

مريم ماكانتش عايزة تشوفهم بيتعذبوا.

كانت عايزة تشوفهم بيتحاسبوا.

وفي اليوم اللي سافرت فيه، وقفت سعاد جنبها في محطة السفر، ماسكة شنطتها الصغيرة، وبتحاول تخفي دموعها.

مريم حضنتها وقالت:

فاكرة لما قلتي لي إن تعبي مش هيروح هدر؟

سعاد ابتسمت:

فاكرة طبعًا.

مريم ردّت:

أنا لسه مصدقة ده. يمكن اللي حصل وجعني، لكن مش هسيبه يوقفني.

وبعدها ركبت، وبدأت رحلة جديدة في حياتها.

ماكانتش رحلة على يخت فاخر، ولا سهرة بين الأغنيا، لكنها كانت بداية حقيقية لطريق اختارته بإرادتها.

طريق ماحدش هيقدر يحدد لها قيمتها فيه بسعر هدومها، أو اسم عيلتها، أو رصيد حسابها.

أما آدم وكريم، فكانوا بيواجهوا نتائج أفعالهم، في انتظار ما تسفر عنه الإجراءات القضائية.

والفيديو اللي صوروه بإيديهم، علشان يضحكوا على بنت اعتبروها أضعف منهم، فضل شاهدًا على اللي حصل.

كل ما افتكروا إنهم كانوا قادرين يوقفوا كل ده بكلمة، أو باعتذار متأخر، كانوا بيواجهوا الحقيقة اللي حاولوا يهربوا منها من البداية.

إنهم ماكانوش أبطال مقلب مضحك. كانوا شخصين عرّضوا حياة إنسانة للخطر، وافتكروا إن فلوسهم هتحميهم من عواقب أفعالهم.

لكن الفلوس ماقدرتش تمسح التسجيل.

ولا تقدر ترجع اللي حصل كأنه ماكانش.

ولا تقدر تضمن إن الناس هتنسى.

وفي النهاية، مريم ما احتاجتش تنتقم منهم بإيديها، ولا تثبت إنها أقوى منهم بنفس طريقتهم.

هي نجت، وتمسكت بحقها، ورفضت تسمح للخوف يقرر مستقبلها.

أما الدرس اللي فضل من الحكاية، فكان واضحًا:

مش كل شخص غني قوي، ومش كل شخص فقير ضعيف. وأخطر لحظة في حياة الإنسان مش لما يفتكر إنه يقدر يعمل أي حاجة، لكن لما يفتكر إنه يقدر يعملها من غير ما يتحاسب.

والسؤال اللي فضل يطارد كل اللي شافوا الفيديو كان:

لو مريم ماكنتش نجت في الليلة دي، هل كان آدم وكريم هيعترفوا بالحقيقة؟ ولا كانوا هيكملوا حياتهم عادي، ويفتكروا إنهم قدروا يخفوا اللي عملوه في أعماق البحر؟

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى