
بصلي في عيني، وقرب مني لدرجة إن صوته ماوصلش لحد غيري، وهمس:
اسمعيني كويس يا حبيبتي… مهما حصل دلوقتي، أوعي تقولي لهم إننا اتقابلنا بالصدفة.
بصيتله وأنا مش فاهمة حاجة، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
لكنه قال جملة تانية خلت الإحساس يتجمد في عروقي:
لأن في سبب مهم جدًا خلاني أدور عليكي من زمان… وسبب لو أمك عرفت حقيقته، الليلة دي مش هتخلص زي ما إحنا متخيلين!
تحت الترابيزة قابلت أخطر رجل في مصر… لكن السر اللي كان مخبيه عني كان أخطر من اسمه!
فضلت باصة لفينسنت وأنا مش قادرة أستوعب كلامه.
مينفعش يكون بيدور عليا من زمان! أنا عمري ما شوفته قبل النهارده، ولا حتى سمعت إن بين عيلتنا وعيلته أي علاقة.
شدّيت إيدي من إيده وهمست بعصبية:
إنت بتتكلم عن إيه؟ وإيه اللي يخليك تدور عليا؟ وإيه اللي المفروض أمي ماتعرفوش؟
بص ناحية الباب، وبعدها قال بصوت منخفض:
مش هنا. أول ما نخرج من الأوضة هتفهمي كل حاجة، بس أوعديني إنك مش هتتصرفي قبل ما تسمعي الحقيقة كاملة.
وقبل ما أرد، أمي رفعت المفرش فجأة!
ليلى!!!
اتفاجئت لدرجة إني خبطت راسي في الترابيزة، بينما فينسنت فضل قاعد مكانه بمنتهى البرود، وكأنه مش مستخبي من خمس دقايق!
أمي حطت إيديها على صدرها وقالت:
إنتِ هنا؟! وأنا بقالي ساعة بدور عليكي! إيه اللي جابك تحت الترابيزة؟!
بصيت لفينسنت، وبعدها قلت:
كنت… بدور على حاجة وقعت مني!
فينسنت تدخل بمنتهى الهدوء:
وأنا كنت بساعدها تدور عليها.
أمه بصتله بصدمة:
وإنت كمان هنا يا فينسنت؟! يا ابني إنت بتعمل إيه في الأرض؟!
رد وهو بيقوم وينفض هدومه:
باكل ساندوتش يا أمي. مش ممنوع يعني.
أمه بصتله بغيظ:
ساندوتش تحت الترابيزة؟! هو إنت عندك كام سنة؟!
ابتسم وقال:
نفس سن ليلى تقريبًا، على فكرة.
أمي بصتله وبعدين بصتلي، وابتسامة واسعة ظهرت على وشها.
أهو! شايفة يا ليلى؟ ده فينسنت بنفسه! الراجل اللي كنت بحكيلك عنه!
كنت عايزة الأرض تبلعني.
لكن فينسنت مد إيده وصافح أمي، وبعدها قال:
تشرفنا يا مدام سعاد. واضح إن بنت حضرتك عندها شخصية مختلفة.
أمي ضحكت وقالت:
مختلفة إيه بس؟ دي مطلعة عيني!
أما أمه، فكانت بتبص علينا بنظرات غريبة، وكأنها عارفة حاجة إحنا لسه مانعرفهاش.
وبعد دقائق، خرجنا كلنا ورجعنا للقاعة.
لكن فينسنت ما سابنيش من عينه طول السهرة.
وكل ما أحاول أتحرك بعيد عنه، ألاقيه بيظهر في نفس المكان.
لحد ما قرب مني وقال:
محتاج عشر دقايق من وقتك.
رديت ببرود:
أنا مش فاكرة إني وافقت على أي حاجة.
ابتسم:
وأنا مش فاكر إني طلبت منك تتجوزيني. لسه بدري على الصدمة دي.
رغم توتري، ضحكت غصب عني.
خرجنا للبلكونة الواسعة المطلة على النيل، وهناك وقفت قدامه وقلت:
اتكلم. أنا مش همشي قبل ما أفهم.
سكت لحظة، وبعدها طلع من جيب بدلته ظرف قديم.
كان عليه اسمي بالكامل.
ليلى أحمد المنشاوي.
قلبي انقبض.
إيه ده؟
قال:
جواب اتكتب من 24 سنة، وكان المفروض يوصل لوالدك.
فتحت الظرف بإيد بتترعش.
لقيت جواه صورة قديمة لوالدي، واقف جنب راجل تاني أصغر منه، ووراهم مبنى كبير عليه لافتة مكتوب عليها مؤسسة المراشدي للمقاولات.
وتحت الصورة كان فيه خطاب بخط إيد والدي.
قرأت أول سطر، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
إلى صديقي وشريكي الوحيد حسن المراشدي… لو حصلي أي حاجة، أوعى تسيب بنتي ليلى تدفع تمن اللي حصل بين عيلتنا.
رفعت عيني لفينسنت.
أبويا كان يعرف أبوك؟
هز راسه.
أكتر من مجرد معرفة. أبويا وأبوكي كانوا شركاء في شركة كبيرة جدًا. لكن حصلت حادثة قلبت حياتهم الاتنين.
حادثة إيه؟
بصلي بجدية وقال:
قبل ما تتولدي بسنة، الشركة كانت بتجهز مشروع عقاري ضخم في القاهرة. أبوكي اكتشف إن فيه شريك تالت بيعدل أوراق الملكية وبيسحب فلوس من حسابات الشركة. حاول يبلغ الشرطة، لكن قبل ما يقدر يعمل كده، حصل حادث كبير في مخزن المستندات.
اتسعت عيني.
ووالدي؟
أبوكي اتهموه إنه السبب في الحادث الكبير، وإنه أخذ ملايين الجنيهات واختفى. لكن الحقيقة إن أبويا كان عارف إنه بريء.
طب ليه ما دافعش عنه؟
اتنهد فينسنت وقال:
لأنه كان فاكر إن أبوكي غاب.
سكت لحظة، وبعدها كمل:
أبويا غاب من خمس سنين، وسابلي تسجيل صوتي ووصية. طلب مني أدور على بنت شريكه القديم، وأرجعلها حقها وحق أبوها.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
والدي غاب وأنا عندي سبع سنين، وأمي طول عمرها قالتلي إنه غاب بعد مرض طويل، وإنه ماكانش عنده أي ممتلكات أو حقوق.
سألته:
يعني إيه حقي؟ وإيه علاقة ده بالجواز اللي أمهاتنا بيتكلموا عنه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
دي المفاجأة التانية. أبويا كان كاتب في وصيته إنه عايزني أتجوز بنت شريكه القديم.
رجعت خطوة لورا.
إيه؟!
رفع إيده بسرعة وقال:
استني. أنا عارف إن الكلام ده غريب، وعارف إنك ممكن تفتكري إننا بنبيع ونشتري فيكي. لكن صدقيني، أنا نفسي أول ما عرفت رفضت الفكرة.
أمال ليه بتدور عليا؟
عشان أوصلّك حقك، مش عشان أتجوزك.
وبعدين بصلي وقال:
لكن بعد ما شوفتك النهارده، بقيت عايز أعرفك بعيد عن أي وصية أو اتفاق بين عيلتينا.
ماعرفتش أرد.
كنت بين صدمة الماضي، وقلقي من الراجل اللي واقف قدامي، وبين إحساس غريب إني عايزة أسمع منه أكتر.
لكن قبل ما أقدر أقول حاجة، موبايله رن.
رد، وسمعته بيقول:
إنت متأكد؟… لا، محدش يلمس حاجة. أنا جاي حالًا.
قفل وبصلي.
لازم أمشي. فيه حاجة حصلت في الشركة.
قلتله:
وأنا؟
هبعتلك رقم المحامي بتاع أبويا. وهو هيشرحلك كل حاجة قانونيًا.
وبعدين قرب مني وقال:
بس خلي بالك من نفسك يا ليلى. في ناس لسه مستفيدة من إن الحقيقة تفضل مدفونة.
ومشي.
السر اللي رجع بعد 23 سنة
تاني يوم الصبح، صحيت على اتصال من رقم غريب.
كان محامي اسمه شريف الديب، وطلب يقابلني في مكتبه بشكل عاجل.
لما وصلت، لقيته حاطط قدامه ملف ضخم.
قال:
أستاذة ليلى، والد حضرتك كان شريك بنسبة 50% في شركة المنشاوي والمراشدي، وكان ليه نصيب في مجموعة أراضٍ وعقارات، قيمتها النهارده بالمليارات.
ضحكت من الصدمة.
بالمليارات؟! بس إحنا طول عمرنا عايشين في شقة متوسطة، وماما كانت بتقول إن بابا سابنا من غير فلوس!
المحامي فتح ملف تاني وقال:




