
لأن فيه توكيل اتعمل بعد غياب والد حضرتك، وبموجبه تم التنازل عن حصته بالكامل.
سألته:
مين اللي عمل التوكيل؟
بصلي بتركيز.
والدتك.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
أمي؟!
التوكيل بيقول إنها باعت الحصة مقابل مبلغ كبير، لكن مفيش أي دليل إن المبلغ وصل لحسابها. والأسوأ إن التوقيع المنسوب لوالدك على بعض المستندات مش متطابق مع توقيعاته الأصلية.
وقفت من مكاني.
أنا عايزة أعرف كل حاجة. ومش عايزة حد يخبي عني أي تفصيلة.
المحامي أخرج صورة لعقد قديم، وقال:
فيه حاجة أخطر. آخر نسخة من مستندات الشركة بتشير إن فيه شخص كان بيستخدم اسم والد حضرتك بعد غيابه، وبيوقع مكانه على عقود بيع أراضي.
بصيت للصورة.
كان الاسم المكتوب أسفل العقد:
محمود السيوفي.
الاسم ماكانش غريب عليا.
ده كان خال أمي!
الراجل اللي كان بيزورنا كل أسبوع، واللي أمي طول عمرها بتعتبره سند العيلة، واللي كان دايمًا بيقول إنه أكتر واحد وقف جنبنا بعد غياب أبويا.
خرجت من مكتب المحامي وأنا مش قادرة أصدق.
اتصلت بأمي.
ماما، لازم نتكلم.
ردت بقلق:
في إيه يا ليلى؟
عايزة أعرف إيه اللي حصل في شركة بابا زمان، وإيه موضوع التوكيل اللي عملتيه بعد غيابه؟
سكتت.
سكتة طويلة جدًا.
وبعدين قالت:
إنتِ عرفتي الكلام ده من مين؟
السؤال ده كان كفاية يخليني أفهم إن فيه حاجة فعلًا.
قلت:
يعني الكلام صحيح؟
لكنها قفلت المكالمة.
أول مواجهة بيني وبين أمي
روحت البيت في نفس اليوم.
لقيت أمي قاعدة في الصالون، ووشها شاحب.
أول ما شافتني قالت:
ليه فتحتي الموضوع ده دلوقتي؟
قلت:
عشان دي فلوس أبويا وحقه، وحقّي أنا كمان. وعايزة أعرف ليه اتنازلتي عن كل حاجة من غير ما أعرف.
قامت من مكانها وقالت بعصبية:
إنتِ فاكرة إن الدنيا سهلة؟! إنتِ ماكنتيش تعرفي حاجة عن اللي حصل!
عشان إنتِ ماحكيتيليش!
دموعها بدأت تنزل.
خالك محمود قاللي إن أبوكي كان داخل في ديون كبيرة، وإن الشركة هتضيعنا كلنا. قاللي أمضي على التوكيل عشان أحافظ عليكي.
طب والفلوس اللي اتدفعت؟ راحت فين؟
ما ردتش.
قربت منها وقلت:
ماما، أنا مش جاية أحاكمك. أنا عايزة الحقيقة.
وفجأة قالت جملة خلتني أتجمد:
أنا ماكنتش أعرف إن أبوكي غاب.
بصيتلها بعدم فهم.
إزاي يعني؟
قعدت على الكنبة، وحطت إيديها على وشها.
يوم الحادث الكبير، خالك محمود جه البيت وقاللي إن أبوكي خرج بره مصر، وإنه لو رجع هيتحبس. وبعدها بشهور وصلني خبر إنه غاب في حادث سفر.
يعني إنتِ ماشفتيش جثته؟
هزت راسها وهي بتعيط.
لا.
طب ليه قلتيلي إنه غاب بمرض؟
ماقدرتش ترد.
فضلت باصة ليها، وفجأة حسيت إن كل ذكرياتي عن طفولتي محتاجة تتراجع من الأول.
لكن قبل ما أخرج، قالت:
يا ليلى، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. خالك محمود كان بيزورنا بعد غياب أبوكي، وكل مرة كان بيطلب مني أوقّع على ورق جديد. وآخر مرة قاللي إن لو فتحت الموضوع تاني، هيخليني أندم أنا وإنتِ.
سألتها:
وإنتِ قلقت منه؟
هزت راسها.
كنت قلقة أخسرك إنتِ كمان.
خرجت من البيت وأنا مش عارفة أزعل من أمي ولا أشفق عليها.
لكن كان عندي سؤال واحد:
هل أبويا فعلًا غاب؟
الرجل اللي كان المفروض يكون غايب
اتصلت بفينسنت وحكيتله اللي حصل.
طلب مني أقابله في مكتبه.
لما وصلت، كان واقف قدام شاشة كبيرة، وعلى المكتب مجموعة صور ومستندات.
قال:
كنت مستنيكي. لأننا لقينا حاجة.
فتح درج مكتبه وطلع صورة لرجل مسن.
كان شعره أبيض، وملامحه متغيرة بسبب السنين، لكنه كان نفس الشخص اللي في صور طفولتي.
قلت بصوت عالي:
بابا!
فينسنت قرب الصورة مني وقال:
الصورة دي اتصورت من شهرين في أسوان. الراجل ده عايش، وبيستخدم اسم مختلف.
ماقدرتش أتكلم.
أبويا عايش؟!
بعد كل السنين دي؟
ليه ما رجعش؟
فين كان؟
وفين أمي من كل ده؟
فينسنت قال:
أبوكي اتعرض لعملية تلاعب كبيرة، واتهموه ظلمًا بأخذ أموال الشركة. وفي نفس الليلة اللي حصل فيها الحادث الكبير، حد حاول يوقفه. اتعرض لإصابة صعبة، واتنقل للمستشفى باسم شخص تاني. لما فاق، عرف إن فيه ناس بتدور عليه، وإنك إنتِ وأمك تحت مراقبتهم.
سألته وأنا بعيط:
يعني سابنا؟
هو افتكر إن وجوده بعيد عنكم هيحميكم. لكن اللي حصل بعد كده إن الشخص اللي كان بيحاول يساعده اختفى، وكل ما حاول يرجع كان فيه تحذيرات جديدة.
بصيتله بغضب.
وإنتوا عرفتوا مكانه من إمتى؟
قال:
من أسبوعين. وأبويا كان سايبلي تعليمات إني أوصله ليكي بعد ما نتأكد إن الطريق آمن.
حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية.
طب ليه مستعجلين كده؟
قبل ما يرد، دخل واحد من رجالة فينسنت وقال:
باشا، فيه عربية واقفة قدام الفيلا من ساعة، وفيه اتنين بيراقبوا المدخل.
فينسنت ملامحه اتغيرت فورًا.
قال لي:
ليلى، إنتِ هتفضلي هنا لحد ما نفهم مين ورا الموضوع.
اعترضت:
مش هقعد في مكان مقفول من غير ما أعرف حاجة!
بصلي بحدة وقال:
أنا مش بحب أكرر كلامي، لكن مش هسمح إنك تتأذي بسبب اللي بندور عليه.
قلتله:
وأنا مش هسمح لحد يقرر عني أعيش إزاي!
فضل باصصلي ثواني، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة.
واضح إن أبوكي ورثك عناد مش طبيعي.
لقاء بعد 23 سنة
بعد يومين، رتب فينسنت لقاء بيني وبين أبويا في بيت آمن بعيد عن القاهرة.
كنت واقفة قدام باب أوضة صغيرة، وإيدي بتترعش.
الباب اتفتح.
وظهر راجل شعره أبيض، جسمه نحيف، وعينيه مليانة حزن.
أول ما شافني، حط إيده على بقه.
ليلى؟
ماقدرتش أتحرك.
كان نفس الصوت اللي كنت بسمعه في تسجيلات قديمة، ونفس العينين اللي كنت بشوفهم في صور طفولتي.
جريت عليه وحضنته.
فضلت أعيط في حضنه زي طفلة صغيرة.
وهو بيقول:




