قصص من الحياة

وانا عمري ٣٠ سنه

سامحيني يا بنتي… سامحيني إني غبت عنك كل السنين دي.

بعد وقت طويل، قعدنا نتكلم.

حكالي إن خالي محمود كان بيخطط للاستحواذ على الشركة من سنين، وإنه كان بيعدل الحسابات ويحوّل الفلوس لشركات وهمية.

ولما أبويا اكتشف الموضوع، محمود دبّر الحادث الكبير واتهمه بأخذ الأموال.

لكن المفاجأة الأكبر كانت إن محمود ماكانش شغال لوحده.

كان فيه شريك تاني من داخل عيلة المراشدي.

حسن المراشدي، والد فينسنت، كان هو اللي اكتشف التلاعب متأخر، وحاول يصلح اللي حصل. لكنه غاب قبل ما يقدر يكشف كل الأدلة.

سألته:

طب إزاي فينسنت عرف كل ده؟

قال:

لأن أبوه كان سايبله نسخة من الدفاتر الأصلية، لكن فيه مستند واحد ناقص، المستند اللي يثبت إن محمود كان هو المستفيد الحقيقي من الحادث الكبير ومن كل عمليات تحويل الفلوس.

وفجأة أبويا بصلي وقال:

المستند ده عند أمك.

اتجمدت.

عند ماما؟!

هز راسه.

قبل ما أختفي، سلمتها مفتاح خزنة صغيرة. قلتلها تحتفظ بيه لحد ما أقدر أرجع. المفتاح ده فيه طريق الوصول لكل الحقيقة.

الليلة اللي انكشف فيها كل شيء

رجعنا القاهرة، وطلبت من أمي تيجي تقابلني في مكتب المحامي.

كانت قلقة لما شافت أبويا.

وقفت مكانها، وبعدها جريت عليه وانهارت في حضنه.

لكن الفرحة ماكملتش.

لأن أمي اعترفت إنها احتفظت بالمفتاح كل السنين دي، لكنها ماقدرتش تستخدمه قلقت من محمود.

طلعته من سلسلة كانت لابساها في رقبتها.

كان مفتاحًا صغيرًا قديمًا.

المحامي أخده، وبعد فحصه عرفنا إنه بيفتح خزنة في بنك قديم، كانت باسم شركة والدي.

في اليوم التالي، توجهنا للبنك.

فتحنا الخزنة، ولقينا جواها:

دفاتر الحسابات الأصلية.

عقود الملكية الحقيقية.

تسجيلات صوتية لاجتماعات بين محمود وشريكه.

وصورة لعقد بيع معدل عليه توقيع والدي.

لكن كان فيه ظرف منفصل مكتوب عليه:

إلى ليلى… لما تكبري وتعرفي الحقيقة.

فتحته وأنا مش قادرة أوقف رعشة إيدي.

كان جواب من أبويا.

بنتي ليلى، لو إنتِ بتقرئي الكلام ده، يبقى أخيرًا عرفتي إن أبوكي ماخانش حد، وماسرقش حد، وماسابكيش بإرادته.

أنا آسف إني ماكنتش جنبك وإنتِ بتكبري، لكن كان عندي أمل إن اليوم اللي أشوفك فيه تاني ييجي.

خلي بالك من أمك، هي أقوى مما تتخيلي، حتى لو القلق غلبها في وقت من الأوقات.

وما تسمحيش لحد يشتري مستقبلك، حتى لو كان أغنى راجل في الدنيا.

دموعي نزلت على الورقة.

فينسنت كان واقف جنبي، ولما خلصت قراءة، قال:

أبوكي كان راجل محترم.

لكن قبل ما نخرج من البنك، وصلتنا رسالة من رقم مجهول:

لو عايزين تفضلوا عايشين، سلّموا المستندات الليلة دي.

فينسنت قرأ الرسالة، ووشه اتغير.

واضح إن محمود عرف إننا وصلنا للخزنة.

المواجهة الأخيرة

بعد يومين، المحامي جه لنا بخطة قانونية.

كان فيه اجتماع طارئ لمجلس إدارة الشركة، ومحمود السيوفي هيحضر عشان يعلن عن بيع مجموعة كبيرة من الأراضي لشركة أجنبية.

البيع ده لو تم، كان هيصعّب استرداد الممتلكات لسنين طويلة.

قررنا نواجهه بالأدلة قدام أعضاء مجلس الإدارة، وبحضور الجهات المختصة.

دخلت القاعة مع أبويا وأمي وفينسنت.

محمود كان قاعد على رأس الترابيزة، لابس بدلة غالية، ووشه كله ثقة.

أول ما شاف أبويا، وقع القلم من إيده.

فضل باصصله كأنه شاف شبح.

قال بصوت متقطع:

أحمد؟!

أبويا رد بهدوء:

أيوه يا محمود. أحمد اللي إنت أعلنت غيابه من 23 سنة.

محمود حاول يستعيد هدوءه.

ده مستحيل! إنت كنت هربان بعد ما أخذت الشركة!

فينسنت حط ملف كبير على الترابيزة وقال:

قبل ما تكمل تمثيل، الأفضل تبص على الأوراق دي.

محمود فتح الملف، ولما شاف نسخ الحسابات والتسجيلات، وشه اصفر.

حاول يقوم ويخرج.

لكن المحامي وقف قدامه وقال:

الاجتماع لسه مخلصش يا أستاذ محمود. والجهات المختصة موجودة، وعايزة تسمع ردك على المستندات دي.

محمود بصلي بغضب وقال:

إنتِ مالكيش دعوة بالموضوع ده! دي شغلانة كبار، مش بنت جاية من بيت أبوها!

رديت عليه وأنا بحاول أسيطر على صوتي:

الغريب إنك فاكر إني لسه البنت الصغيرة اللي كانت بتصدق أي كلمة بتقولها. أنا بنت الراجل اللي إنت ظلمته وأخذت عمره، والنهارده جاية آخد حقه.

ضحك بسخرية.

وعايزة تثبتي إيه؟ كل الورق ده ممكن يكون معدل!

هنا فينسنت ضغط على زر في جهاز التسجيل.

وطلع صوت محمود نفسه:

الحادث الكبير لازم يحصل قبل ما أحمد يراجع الحسابات. وبعدها هنخلص من الموضوع كله، ومراته هتوقّع على التوكيل من غير ما تفهم حاجة.

سكتت القاعة تمامًا.

كان صوت محمود واضح، ومعاه صوت شريكه اللي اعترف إنه ساعده في تعديل المستندات.

محمود حاول يتكلم بصوت عالي ويقول إن التسجيل مفبرك، لكن المحامي قدم النسخة الأصلية وتقارير الفحص الفني، مع مستندات التحويلات البنكية.

وفي اللحظة دي دخل رجال الجهات المختصة.

محمود بص لأمي وقال:

سعاد! قولي لهم إنك كنتِ عارفة إن أحمد هو اللي أخذ الشركة!

أمي قامت من مكانها، وكانت أول مرة أشوفها واقفة بالشكل ده.

قالت:

أنا قلقت منك سنين، وصدقتك لما قلتلي إنك بتحميني أنا وبنتي. لكن النهارده مش هقلق تاني.

وبعدين بصتله وقالت:

إنت ما أخذتش فلوسنا بس يا محمود… إنت أخذت عمر بنتي من أبوها.

اتوقف محمود وشريكه، وبدأت التحقيقات تكشف شبكة كبيرة من التعديل والتحويلات غير القانونية.

وبعد شهور من القضايا، صدر الحكم بثبوت المخالفات عليهما، واستردت العيلة جزءًا كبيرًا من الممتلكات والأموال اللي اتسلبت منها.

أما باقي الحقوق، فتمت تسويتها من خلال إجراءات قانونية طويلة.

لكن المفاجأة اللي محدش كان متوقعها حصلت بعد انتهاء القضية.

فينسنت يواجهني بالحقيقة الأخيرة

بعد ما كل حاجة هديت، كنت قاعدة في حديقة بيت أبويا الجديد.

فينسنت جه وقعد جنبي.

كان لابس قميص أسود، ومن غير البدلة الرسمية اللي كنت بشوفه بيها دايمًا.

قال:

عندي اعتراف.

بصيتله وابتسمت:

يا ساتر! هو فيه مصايب تانية؟

ضحك وقال:

لأ، المرة دي مفيش مصايب. أنا بس عايز أقولك إني أول ما عرفت إنك بنت أحمد المنشاوي، كنت شايفك مجرد أمانة عندي لازم أوصلها لصاحبها.

سكت لحظة، وبعدها كمل:

لكن لما قعدنا تحت الترابيزة، وفضلنا نضحك على أمهاتنا، حسيت إني لأول مرة من سنين بقابل واحدة مش بتبص لاسمي ولا لفلوسي ولا للناس اللي بتتحفظ مني.

قلتله:

طب وإنت فاكر إني كنت عارفة إنك مين؟ أنا كنت فاكرة إني مستخبية مع واحد مجنون بيأكل تحت الترابيزة!

ضحك من قلبه.

وبعدين مد إيده وطلع علبة صغيرة.

قلبي بدأ يدق.

قال:

أبويا كتب في وصيته إنه عايزنا نتجوز، لكن أنا مش عايز أتجوزك عشان وصية. ولا عشان شراكة قديمة. ولا عشان أي اتفاق بين عيلتينا.

فتح العلبة، وكان فيها خاتم بسيط وأنيق.

أنا عايز أتجوزك عشان إنتِ ليلى. البنت اللي قدرت تخليني أضحك وأنا مستخبي تحت ترابيزة، واللي وقفت قدام واحد زي محمود من غير ما تقلق، واللي ماطلبتش مني فلوس ولا نفوذ.

بصيتله وقلت:

وإنت متأكد إنك تقدر تستحملني؟ أنا مش سهلة، وعلى فكرة مش هسيب شغلي ولا حياتي عشان أتجوز.

ابتسم وقال:

أنا مش بدور على واحدة تعيش في ضلي. أنا بدور على واحدة تمشي جنبي.

سكت لحظة، وبعدها قال:

بس عندي شرط واحد.

رفعت حاجبي:

شرط؟!

قال بجدية مصطنعة:

ممنوع تختفي تحت أي ترابيزة من غير ما تقوليلي. المرة الجاية هاخد بالي من الساندوتش.

ضحكت لدرجة إن عيني دمعت.

ومديت إيدي ليه.

موافقة… بس الساندوتش عليّ المرة الجاية.

بعد سنة… نهاية الحكاية اللي بدأت تحت الترابيزة

عدت سنة كاملة.

اتجوزنا في حفل بسيط وسط العيلة والأصدقاء، بعيد عن المظاهر اللي كانت أمي بتحبها.

أبويا كان واقف جنبي طول اليوم، وماما كانت بتعيط من الفرحة، وكل شوية تبصلي وتقول:

أخيرًا ارتحنا من حوار العرسان!

أما فينسنت، فكان شخص مختلف تمامًا معايا.

فضل محتفظ بشغله واستثماراته، لكنه بدأ يبعد نفسه عن أي نشاط غير واضح، وسلّم الملفات المتعلقة بأعمال غير واضحة للجهات المختصة. ومع الوقت، حوّل الجزء الأكبر من نشاطه لشركات قانونية واضحة.

وأنا رجعت لشغلي، وأسست مؤسسة لدعم الأطفال اللي فقدوا أحد والديهم، وساعدت فيها عائلات كتير كانت بتواجه ظروف شبه اللي مرينا بيها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى